من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - وأشرقت الأرض بنور ربها
٢- والتوازن الحرج الذي يعيشه المؤمن بين الخوف والرجاء يتمثل في بصيرة المؤمن بأن مغفرة الله تسع كل ذنب إذا استغفر و تاب إلى الله متاباً، وإذا لم يتب فإنه لا يغفر الشرك لأنه ظلم عظيم.
ولأن الشرك هو الذي يبتلي به الناس لأنه لا يقتصر فقط بشرك عبادة بل قد يكون شرك طاعة، فإن قلب المؤمن يظل أبداً في خوف شديد من الوقوع في شرك الشرك، وهكذا يصبح أواباً، لكي لا يموت عن شرك، بل يختم حياته بالمغفرة والله العالم.
[٦٦] وفي مقابل دعوة الله نبيه وبالتالي كل مؤمن لرفض الشرك في الآيتين المتقدمتين، يدعوه في هذه الآية لعبادة الله وحده وشكره على توفيقه له لعبادته. لأن ذلك من أكبر نعم الله على الإنسان. بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ وفي تقديم كلمة اللَّهَ (المفعول له) على الفعل والفاعل فَاعْبُدْ دلالة على أن العبادة يجب أن تكون خالصة منحصرة لله وحده. وهذا يشبه تقديم الضمير المنفصل إِيَّاكَ وهو المفعول على الفعل والفاعل نَعْبُدُ في سورة الحمد، أما الشكر المأمور به فهو على عبادة الله التي لا تتم إلا بتوفيق الله أو هو على عموم نعم الله.
[٦٧] ثم- وبصورة أخرى- يؤكد لنا القرآن ضرورة عبادة الله، التي تأتي نتيجة معرفته عز وجل. و المشركون والكافرون إنما عبدوا غير الله بسبب جهلهم به وبقدرته. الأمر الذي جعل تقديرهم له دون مقامه مقام الربوبية. وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يتصرف فيهما وفي من عليهما من الخلق كيف يشاء، فهذه الأرض مع حجمها الكبير في نظرنا، والسماوات السبع التي يعجز العقل عن استيعاب مداها، والخيال عن تصور سعتها، يشبه هيمنته على إحداهما بهيمنة الإنسان على قطعة النقد الصغيرة التي تكون في قبضته، ويشبه الأخرى بالورقة الملفوفة في يمينه، ولا ريب أن قبضته تعالى كما يمينه ليستا بمعنى وجود جارحة لله سبحانه وإنما هما رمز لقدرته وإرادته، كما اليد رمز لقوة الإنسان، وربنا إنما يستخدم التشبيهات المجازية لتقريب المعنى إلى أذهاننا ولو وصف لنا قدرته كما هي لما استوعبت ذلك عقولنا.
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ إن من أسباب الشرك عند الإنسان هو عدم معرفته بالله، فيتصوره بعقله المحدود عاجزا محدودا مثله، و يزعم أنه يحتاج إلى الشركاء ليدبر شؤون الخلق. وربنا منزه عن ذلك، فمن هذه قدرته لا يحتاج إلى الشركاء، ولا يجوز لنا بأي حال أن نشرك به. وبخصوص هذه الآية قال الإمام الباقر عليه السلام
(إِنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ وكَيْفَ يُوصَفُ وقَدْ