من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
هدى من الآيات
إن المنهج القرآني يربط بين ما في الطبيعة وما في النفس البشرية، والآية ما قبل الأخيرة من هذه السورة تؤكد هذه العلاقة الوثيقة، وكلما ازداد الإنسان وعيا بآفاق الطبيعة ازداد معرفة بأعماق النفس. أوليست النفس عالماً كبيراً في حجم محدود، وسواء اهتدى الإنسان إلى غيب الطبيعة الذي هو الحق، أو اهتدى إلى غيب النفس الذي هو الحق أيضا، فإنه سيهتدي بإذن الله إلى خالق الطبيعة والنفس معا، وهو الله عز وجل.
وفي الدرس تذكرة بالغة للإنسان بنفسه التي هي الأقرب إليه، ولكنه يغفل عن آمادها التي لو انتبه إليها أحس بعمق العبودية التي أركزت فيها. أولا ترى كيف تجزع إن مسها شيء من السوء، و تفقد توازنها إن أصابها شيء من الخير؟، أولا ترى حرصها على النعم الذي يمنعها من العطاء، و شدة يأسها وقنوطها؟، إن أطوار النفس وتغيراتها شاهدة على أنها مخلوقة مدبرة، وتلك آية من آيات الله في الخليقة.
بينات من الآيات
[٤٦] مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ تبيِّن الآية المسؤولية الإنسانية: أن من عمل صالحا فإنما لنفسه يعمل، ويلقى جزاءه الحسن وافيا، وأن من عمل سيئا فإنما على نفسه، ويجد جزاءه كاملا. وكلمة ظلّام تدل على المبالغة في الظلم، وربنا ليس فقط لا يظلم كثيرا عبيده، بل أيضا لا يظلمهم قليلا. إذا فلماذا ينفي الرب ظلمه بصيغة المبالغة فيقول وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ!. وسبب هذا التساؤل هو التشابه الذي سيحدث بنفي المبالغة، فلو قلت: فلان لا يأكل، فهذا يعني أنه لا يأكل كثيرا ولا قليلا، وأما لو قلت: وما فلان بأكول، فهذا يعني أنه لا يأكل كثيرا، ولكنه قد يأكل قليلا، فنفي المبالغة نفي للكثرة فقط.
ذكر جملة من المفسرين أن ذلك باعتبار أن المولى الحق عدل فقليل الظلم في ساحة قدسه كثير، أو باعتبار أن الظلم القليل مهما كان قليلًا مع الكثرة التي لا تحصى من الخلائق فإنه سيكون كثيرا جدا، أو للإشعار بأنّ من فعل الظلم وإن قلّ- وهو عالم بقبحه، وبأنّه غنيّ عنه- لكان ظلاما.
والجواب- في ما يبدو لي- أن هذا الدين يقرر مبدأ الحرية والمسئولية، أي مبدأ التبعة الفردية. ومن جهة أخرى فإن الإنسان مسؤول عن واقعه الفردي والاجتماعي وإصلاحه،