من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله
والأعجمي. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ يهديهم إلى الحق، ويشفي قلوبهم من أمراضها، أما المعرضون عنه فإنهم لا ينتفعون بالكتاب. إن في آذانهم وقرا من الأفكار الباطلة، والمسبقات الذهنية الخاطئة. وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى قالوا: معناه أنهم محجوبون عنه حتى صاروا بالنسبة إليه كالأعمى، ولعل معناه أنهم يزدادون به ضلالا وطغيانا كما قال ربنا وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء: ٨٢]. أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ذلك أن المسافة واسعة بين القرآن وهداه وشفائه وقلوبهم المغلفة التي غلفتها الشهوات والكبر والأحقاد.
[٤٥] وقصة الجحود طويلة، فلقد أنزل الله التوراة على موسى عليه السلام فاختلف فيها الناس على الرغم من أنها كانت هدى ونورا. وأمهلهم الله حتى يمتحنهم، ولولا أنه قد قدر امتحان البشر في الدنيا لقضى بينهم، وأخذ الجاحدين أخذا شديدا، لأنهم قد جاؤوا إفكا مبينا، ولا يزال البعض يشك في التوراة شكا مقلقا. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فاختلافهم في القرآن ليس دليلا على نقص فيه، حاشا لله! إنما هو بسبب وقر آذانهم، وعمى أبصارهم، وكما أن الله لم يعجِّل على أولئك بالعذاب، بالرغم من عظيم إفكهم، كذلك لم يعجِّل العذاب على هؤلاء. كل ذلك لأن الله قد قدر الدنيا دارا للفتنة والبلاء.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ونزل عليهم العذاب، ولكن الله قد سبقت كلمته أن يمهل الجاحدين إلى أجل مسمى فلا يغرهم المهل، ولا يتخذ البعض ذلك دليلا على أن الله لا يعز كتابه أو لا ينصر رسله.
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ قالوا: المعنى أن العرب لا يزالون في شك من القرآن، وقال البعض: بل اليهود لا يزالون في شك من التوراة، ويبدو أن هذا أقرب إلى السياق الذي فيه تسلية للرسول ليتسق المعنى، هكذا: لا يحزنك- يا رسول الله- شك قومك في القرآن فبنو إسرائيل لا يزالون في شك من التوراة. وقالوا: الريب هو أفظع الشك، فالمعنى- على هذا- أنهم في شك فظيع. وقالوا: الريب هو الشك المقرون بسوء الظن. ويحتمل أن يكون معنى الريب هو الشك المفزع، فقد جاء في اللغة: أراب خلافا أقلقه وأزعجه، وفي حديث فاطمة
[يُرِيُبنِي مَا يُرْيُبهَا]
[١]. ولعل الفارق بين الشك المريب وغيره: أن من يهتم بأمر يشك فيه يريبه الشك ويزعجه، بينما الذي لا يهتم بأمر لا يزعجه الشك فيه.
[١] النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير: ج ٢، ص ٢٨٧، مواهب الجليل: الحطاب الرعيني: ج ٥، ص ١٢، تحفة الأحوذي: المباركفوري: ج ٥، ص ٤٢٥.