من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤١ - وأفوض أمري إلى الله
هم الذين يضفون عليه قداسة ويعطونه القوة على حسابهم؟.
أما الله الذي يدعو إليه المؤمن فإليه مصير الجميع، فهو خير من دُعِيَ وأكرم وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ثم ذكرهم بالحقيقة الفطرية التي أودعت ضمير كل إنسان، تلك هي أن الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا حكيما، وانبثت آيات عدله وحكمته في كل صغيرة وكبيرة لا يستقبل بترحاب المسرفين الذين تجاوزوا حدودهم، واعتدوا على حقوق الآخرين، إنما يودعهم سجنه الأليم النار وساءت مصيرا وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ لو أيقن الإنسان حقا أنه يُرَّد إلى الله، وأن الله هو الذي يحاسبه ويجازيه، لارتدع عن الجرائم، لأنه يعلم أن ربه بصير بعباده، وأنه لا يمكن خداعه أو الهرب منه، وأنه لا يظلم أحدا، فهو الحكم العدل العزيز الجبار. وهكذا نجد السياق يوصل المرد إلى الله بأن عاقبة المسرفين النار، وهي حقيقة فطرية لا جرم فيها ولا جدال.
[٤٤] إذا عرف المبتلى أن سبب آلامه سوء اختياره، وأنه كان يقدر أن يتقيها بحسن عمله، ازداد إحساسا بالألم. وهكذا ذكرهم داعية الحق بأنهم- في يوم الجزاء- سوف يذكرون ما قال لهم، ويعلمون صدقه، فيضاف إلى ألم أجسادهم عذاب روحي شديد. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ أما هو فقد بلغ أقصى درجات اليقين، ففوض أمره إلى ربه، لذلك لا يحتمل قلبه الجدل في تلك الحقائق التي سردها. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فهو يعلم ما في صدور المفوضين أمورهم إليه من إخلاص ويقين، ولذلك فهو يأخذ بأيديهم. ولعل ختام الآية يهدينا إلى شرط التفويض، وهو أعلى درجات اليقين، وهو الإخلاص.
وهناك شروط أخرى للتفويض نجدها في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام
[المُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ فِي رَاحَةِ الأَبَدِ وَالعَيْشِ الدَّائِمِ الرَّغَدِ وَالمُفَوِّضُ حَقّاً هُوَ العَالِي عَنْ كُلِّ هِمَّةٍ دُونَ الله. كَقَوْلِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام نَظْماً
رَضِيتُ بِمَا قَسَمَ اللهُ لِي
وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى خَالِقِي
كَمَا أَحْسَنَ اللهُ فِيمَا مَضَى
كَذَلِكَ يَحْسُنُ فِيمَا بَقِيَ