من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - الله نزل أحسن الحديث
عذاب شديد يكتسبونه ويعدونه لأنفسهم في يوم القيامة.
[٢٥] وكما هو في الآخرة كذلك في الدنيا، فمن بنى السد وطغى به عُذِّبَ به، كما انهار سد مأرب، و من عبد الحجارة، أو اتخذ من الجبال أكنانا عُذِّبَ بها كما عاد وثمود، ومن عبد الماء أُغرِقَ فيه كقوم فرعون. كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فمن كذب بآيات الله وصدف عنها أتاه العذاب من حيث لا يشعر، وعلينا أن نراجع قصص القرآن كيف عذب الله الأقوام، فهل كان يتصور فرعون أن موسى عليه السلام الذي ربّاه في بيته يكون فناء ملكه على يديه؟! كلا .. وهل كان يعلم فرعون وملؤه الذين عبدوا الماء، فكانوا يرمون في النيل بأجمل فتياتهم لإرضائه، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته، وكانت حضارتهم قائمة عليه، هل كانوا يعلمون بأنهم سوف يغرقون في معبودهم وأساس تحضرهم. إن الذي يكذب بآيات الله يكون هلاكه بالقوة التي يعتمد عليها (يعبدها).
[٢٦] فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لأنهم كانوا يستكبرون، ولا يعترفون بشيء غرورا، والآن يجب أن يلاحقهم الخزي والعار، هذا في الدنيا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أكبر خزيا وألما، والإنسان يهرب من عذاب الدنيا فكيف لا يهرب مما هو أكبر منه؟!
[٢٧] وبعد ذلك يذكِّرنا الرب بأنه ضرب لنا الأمثال، من قصص الأنبياء وأممهم. وهي وقائع خارجية جسدت القيم التي يبشر بها القرآن وهذا المعنى المثل أي التطبيق الخارجي للحقيقة. وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ والتعبير مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يدل على أن في القرآن إشارة إلى كل الحقائق، وذلك عبر أمثلة واقعية لها، فأنى تفكرت فيه مما يتصل بالخلق والخالق والصلة بينهما وصلة الخلق ببعضهم وغيرها مذكور في القرآن ومفصل بالأمثلة التي لا تقتصر على حياة الشعوب السابقين بل وتشمل إشارات إلى الطبيعة وأحوالها.
[٢٨] وبعد ذلك يأخذنا الرب إلى صفات ذلك القرآن الذي يضرب فيه من كل مثل، ويذكر له صفات ثلاث
١- قُرآناً: مقروءاً، يوصلنا بالماضي، ويفصل لنا الحاضر، ويرسم خريطة المستقبل.
٢- عَرَبِيّاً: بلغة مفهومة، فأعرب الكلام أفصح عنه، ويقال أعرب فلان عن استيائه أي بينَّه، والعربي هو الذي يكون فصيحاً بليغاً.
٣- غَيْرَ ذِي عِوَجٍ: ليس به انحراف يمنة أو شمالا، شرقا أو غربا، ذلك أن من أسباب الانحراف الجهل والهوى والاستسلام للضغوط، وتعالى الله عن كل ذلك، وهكذا