من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - الله نزل أحسن الحديث
وجدت البتة في نفسي منها أثرا، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، ثم ذكر وجوها في بيان ذلك تتلخص فيما يلي
أولًا: إن تلك الأشعار لا تليق بمقام الخالق، وإن إثباتها في حقه كفر.
ثانياً: إن قائل القرآن هو الله عبر جبرائيل إلى الرسول إلينا، بينما قائل تلك الأشعار شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور.
ثالثاً: إن مدار القرآن الدعوة إلى الحق، ومدار الأشعار الباطل [١].
وأقول: إن تلك الأشعار تثير شهوات البعض، وتدغدغ عواطف الهوى المكبوتة لديهم، بينما تستثير آيات الذكر دفائن العقول، وتجلي القلوب من رين الشهوات، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وإن أولئك الذين يبحثون عن سبل الزلفى إلى الله عبر الأشعار الجاهلية والطرق غير الشرعية لا يهديهم الله إليه، بل يضلهم لأنهم لم يتبعوا الوسيلة التي بينها لعباده.
وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فمن شاء أن يهتدي إلى ربه سبيلا فعليه أن يتوسل به إليه، وبأوليائه الذين جعلهم وسائل رحمته، وألا يخترع لنفسه مذهبا فيضله الله، وأن يعلم أن الله يدل على ذاته بذاته، ولا شيء أظهر دلالة منه ولا شفيع إلا من بعد إذنه، وهكذا يخلص النية لربه، وحاشا لله أن يخيب ظن عبده به.
[٢٤] ويعود القرآن إلى مفارقته بين من يتقي به في الدنيا فينجيه الله من عذاب النار، وبين من لا يتقي ولا يجد هناك شيئا يحتجز به عن النار، فتراه يضطر إلى اتقاء النار بوجهه. أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي عذاب هائل ذلك العذاب، حين تتميز جهنم غيضاً، وتتفجر فيها النيران تفجرا، ويأتي المجرمون لا يملكون من الثواب ما يقيهم النار، فتتعرض وجوههم لها، تلك الوجوه التي اعتزوا بها وبإثمها في الدنيا، وصانوها بأيديهم وبما يملكون. وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ إن الفواحش التي يرتكبها الظالمون في الدنيا تتجسد في صورة نيران ملتهبة وعقارب وحيات. أرأيت الذي يصنع القنبلة النووية بيده ثم يفجر نفسه والبلاد كيف أنه حين يصنعها لا يتصور بسهولة هول عذابها، كذلك المجرمون حين يزنون أو يغتابون أو يأكلون أموالهم بينهم بالباطل أو يؤيدون الطاغوت لا يتصورون أي
[١] راجع التفسير الكبير: ج ٢٦ ص ٢٧٣ والعبارة أوسع.