من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - الله نزل أحسن الحديث
عاقبة المتقين ضربت لها أمثلة من جزائهم عند الله وانتصارهم في الدنيا، وإذا ذكرت من صفات المتقين واحدة ثنيَّت بشواهدها من حياة النبيين عليهم السلام، وإذا ذكرت حقيقة من حقائق التوحيد توالت شواهدها. فمثلا حين ذكر السياق شرح الصدر بالإسلام بيَّن مثله في خشوع قلب المؤمنين لآيات الذكر. وهكذا أشارت الآيات التالية إلى أن القرآن ضرب للناس من كل شيء مثلا، فيكون المثل تثنية كل حقيقة مذكورة في القرآن.
هذه بعض معاني المثاني. ولأنه مثاني تشفع الحجة بالحقيقة فإن قلوب المؤمنين تصعق له، وتسري في أعصابهم رعشة الخشية، فتهتز تبعا- لذلك- جلودهم. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عندما تواجه النفس حقيقة أكبر من سعتها تندهش بها وتحصل لصاحبها قشعريرة، إما لاهتزاز الأعصاب أو لتجمع الدم حول القلب كما يحصل في حالات الخوف الشديد. ولأن هذا الفريق يخشون ربهم، ويعرفون شيئا من عظمته وكبريائه، ويعلمون أن الكتاب رسالة الله إليهم، فلا تكاد قلوبهم تستقر لتجلياته الظاهرة في كتابه، ولولا أن الله يؤيدهم في تلك اللحظة بروحه لتصدعت قلوبهم كما اندك الجبل عندما تجلى الرب له أمام موسى فخر موسى عليه السلام صعقا، أرأيت تجلي الله للجبل كان أعظم من تجلياته في كتابه للرسول والمؤمنين. إنما المؤمنون توجل قلوبهم بمجرد ذكر الله، فكيف لا تصعق عندما تتلى عليهم رسالة الله إليهم، إنه الله يتحدث إليهم فكيف يصمدون، بلى؛ أنا وأمثالي الذين أحاطت الشهوات بقلوبنا لا نعرف ذلك، إلا إذا رفع الله الحجب واتصل القلب بنور الرب. ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ إذا ذهبت آثار الصدمة، وتغلب العقل بتأييد الله على هول المواجهة، لانت الجلود تعبيرا عن خشوع القلب، واستعدادا لاستقبال ضياء الهدى.
وقال المفسرون: إن قشعريرة الجلد تعبير عن خشيتهم من عذاب الله، أما حين يلين فإنه دليل على طمعهم في رحمة الله، وهكذا يعيش قلب المؤمن بين الخوف والرجاء. وقال الفخر الرازي: إن المقامين المذكورين في الآية تَقْشَعِرُّ- تَلِينُ لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب والرحمة، بل ذاك أول المراتب، وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين. ثم تناول هذا المفسر الكبير الفرق بين حالة المؤمنين عند تلاوة الكتاب، وحالة الوجد الصوفية عند سماع أشعار الهجران والوصل، وقال: إن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب (إحياء علوم الدين) وهي أنا نرى كثيرا من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول (أي الرازي): إني خلقت محروما عن هذا المعنى، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي، ووقف علي شعري، وحصلت في قلبي دهشة وروعة، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي، وما