من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
[٢٤] كلما ذكرنا ربنا بأمر عظيم نَهَرَ المكذبين بالقرآن الذين اتهموا رسوله بالافتراء، لماذا؟، لأن التبرير الشائع الذي يلتجئ إليه مرضى القلوب للهروب من مسؤوليات قبول أوامر الرسالة المستصعبة هو التكذيب بها. وهكذا حين جاء الأمر بأداء أجر الرسالة في المحافظة عليها عبر مودة القربى ثارت عصبية البعض، وقالوا: إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم، فأنزل الله أَمْ يَقُولُونَ [١].
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنه لقول عظيم، كيف ينسبون إلى رسول الله الصادق الأمين الكذب، وبالذات حين يتمثل في الافتراء على الله، وهم يعرفون مدى تفانيه في الله؟ ثم هل من المعقول أن يدع الله رسوله الذي اختاره بعلم، وأسبغ عليه نعمة الرسالة، وأولاه بالنصر، وأظهر على يده الآيات، هل يدعه يتقوَّل عليه؟! كلا .. إنه إن يشأ يعاقبه، وأبسط العقاب هو سلب رسالته منه، بأن يختم على قلبه فلا يكاد يعرف شيئا. فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ونستوحي من الآية: أن من يفتري على الله يعاقبه الله بالختم على قلبه، فيسلبه حلاوة مناجاته، ولذة التقرب إليه.
ومن سنن الله في الحياة إزهاق الباطل، وإحقاق الحق .. وهذا دليل على أن رسالة الله حق، ورسوله صادق أمين. وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إن من أدلة صحة الرسالة أن كلمات الله في القرآن ليست من أجل الرسول أو من أجل قومه و عشيرته أو مصالحه، أو مصالح فئة معينة، إنما من أجل الحق، تتطابق مع السنن الجارية في الخلق، فهي باقية، بينما الثقافات الأخرى تنتهي حينما تزول عوامل نشوئها، فإذا كانت ناشئة الطبقية أو العنصرية أو القومية زالت حين تتبدل الدولة الحاكمة، وإذا كانت ناشئة الخرافات والجهالات والعصبيات زالت بزوالها، وهكذا ترى كلمات الله في القرآن لا تؤثر فيها المتغيرات أنَّى كانت، لأنها ناشئة الحق الذي لا يتغير، مما يدل على أن هذا القرآن هو الصحيح، وأن تلك الثقافات هي الباطلة.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إن الله يعلم ما في صدورنا لذلك فهو يعالج الجوانب السلبية مما في صدورنا بالجوانب الإيجابية، يعالج شهواتنا وأهواءنا بما أركزه في قلوبنا من العقل والمعرفة.
[٢٥] مهما كان الإنسان حذرا فإنه لا يمكنه اتقاء السقطات، وهذا دليل على أن الإنسان ليس بإله، وأن الضعف طبيعة فيه، لذلك فإن الله يقبل التوبة عن عباده. أوليس هو الخالق
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٦.