من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٦ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
الجواب: إن الله أنزل على الإنسان العقل، وضمنه مقاييس ثابتة، وعلمه كيف يعكس هذه المقاييس العقلية على أجهزة وأدوات وقوانين وتشريعات يقيس بها الأشياء، وأمر في كتابه الناس إلى الالتزام بما تعارفوا عليه بعقولهم. وإنما بعث الرسل ليوقظوا العقل من سباته، ويحرروه من أغلاله، ويضعوا عن عقول الناس أقفالها، ويرفعوا حجبها.
وهكذا وجب الاهتمام بالقسطاس، قال الله سبحانه وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء: ١٨٢]. إن إقامة الميزان من حقائق القرآن، ومن تجليات الرحمة الإلهية، وهي- إلى ذلك- تتناسب ونظام الخلقة. فالله سبحانه الذي رفع السماء بنظام وموازين، لولاها لفسدت السماء والأرض، يأمر بإقامة الميزان، لأن الخلل فيه طغيان ويسبب الفساد. فالنظام في الطبيعة قائم على التقدير، ومن خالف الميزان خالف القسط وهو في طريق الفساد. قال الله سبحانه وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [هود: ٨٥].
وحين توافق الكتاب والميزان، عرف الناس بما لديهم من ميزان إلهي (وهو العقل) صدق الرسالة، وعلموا بهداية عقولهم أن دعوة الرسل صادقة، لأنها تتناغم وما يجدونه بنور عقولهم وسنن الكون.
والرسل عليهم السلام وأوصياؤهم الصادقون يمثلون بحق هذا الميزان في الشؤون الحياتية، لأنهم يهدون بالحق، و يسعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويخالفون أهواءهم، ويلتزمون بدقة متناهية بالأحكام التي يأمرون الناس بها، فهم الميزان الصادق بين الحق و الباطل، وهم القضاء العدول بين الناس، وهم القسطاس المستقيم في المعارف الإلهية.
ومن هنا قال بعض المفسرين: إن المراد بالميزان النبي محمد صلى الله عليه واله [١]. ولعل التفسير الشائع بين المفسرين يعود إلى هذا المعنى حيث قالوا أن الميزان هو العدل، إلا أنهم لم يذكروا كيف يقام العدل. أوليس بحاكم عادل يأمر الله باتباعه، والتحاكم إليه، والتسليم لقضائه، كما قال سبحانه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥].
كما إن ذكر الميزان في سياق سورة الشورى التي تمحورت حول فض الخلافات يدل على أهمية القيادة العادلة في القضاء على الصراعات الاجتماعية. ولا تتم معرفة الله إلا بالعقل، جاء في الحديث المأثور عن الإمام الكاظم عليه السلام
[إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الحُجَجَ
[١] فتح القدير: ج ٤ ص ٥٣١.