من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥١ - وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا
شبه الجزيرة.
وتدل الآية على أن الرسالة الإلهية كانت ذات أمواج متلاحقة، فقد افتتحت بأمر الرسول بالقراءة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١]؛
ثم أمرته بإنذار الأقربين وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]؛
وتوسعت إلى قومه صلى الله عليه واله بقوله سبحانه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]؛
وتواصلت حتى شملت العالمين فقال ربنا سبحانه تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١].
ومع أن الرسالة كانت منذ البدء عالمية إلا أنها كانت واقعية أيضا تسعى نحو العالم عبر موجات متلاحقة بين الناس، الأقرب فالأقرب، وأحق الناس بها وبحمل مسؤولياتها الرسول وأهل بيته الذين نزلت في بيوتهم وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ وفي الأثناء لا بد للرسالي بأن يستوعب الحياة بواقعياتها، فلا ينتظر من الناس أن يؤمنوا جميعهم برسالته، فإذا ما كفروا بخع نفسه، وشكك في جهوده ورسالته، فذلك من طبيعة البشر، إنهم بالتالي ينقسمون إلى مؤمنين وكافرين فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وهم الذين يؤمنون بالرسالة، ويعملون بمضامينها. وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وهم الكافرون والعاصون.
وفي هذه الجملة فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ إشارة إلى الخلاف البشري الذي يقسمهم إلى خطين: خط الحق، وخط الباطل .. وسوف تبين الآيات القادمة هذه النقطة، وتميزها عن الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر بين أهل الحق أنفسهم، الذي يجب ألا يبلغ حد الصراع بينهم.