من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
كان من الممكن أن يخلق الله البشر بصورة واحدة لا اختلاف بينهم، وأن يجعلهم كلهم من أصحاب الجنة، ولكنه تعالى ترك الإنسان يختار مصيره بإرادته بعد أن أوضح له سبيل الغي، وهداه إلى سبيل الرشاد.
وهكذا يؤكد القرآن مبدأ الحرية التكوينية التي جعلها الله للبشر، والتي صبغت حياتهم بصبغة الصراع الأبدي بين الحق والباطل. فبينما يتبع فريق منهم ولاية الله، يتبع الفريق الآخر الظالم لنفسه ولاية الشركاء المزعومين، فالسبب الرئيسي لضلالة البشر وما يثير بينهم الخلاف من الحروب التي تنتهي إلى الدمار والتخلف هو تركهم ولاية الله، وتشبثهم بالأولياء من دونه.
أما الخلافات الخارجة عن إطار صراع الحق والباطل- كالخلاف بين أهل الحق أنفسهم- فهي غير مشروعة، إذ لا بد من حلها بالعودة إلى قيم الرسالة ومن يمثل ولاية الله في الأرض، ومن الناس من يدعي الإيمان ولكنه يتولى غير الله، وإنما آية إيمان المرء أن يرد ما تنازع فيه إلى الله والى رسالته ورسله، ثم يتحدى الضغوط، ويتوكل على الله، ويتضرع إليه و يتعوذ بحوله وقوته من شياطين الإنس والجن الذين ينزغونه في الاتجاه الخاطئ.
وولاية الله في المجتمع تجل لولايته في الكائنات فهو الذي فطر السماوات والأرض، وخلق البشر أزواجا وكذلك الأنعام بهدف تكثير الخلق وانتشارهم، وهو المحيط بهم علما وبيده مفاتيح الرزق، فيبسط لمن يشاء، ويقدر على من يشاء بحكمته البالغة، لأنه بكل شيء عليم.
بينات من الآيات
[٨] الاختلاف بين أهل الحق و أهل الباطل جزء من سنة الله في الحياة، ليس لأنه تعالى يريد أن يكون بعضهم من أصحاب النار والبعض الآخر من أصحاب الجنة، بل لأنه أعطاهم حرية الاختيار، ومقتضى هذه الحرية أن يتبع البشر أحد الخيارين. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وهذا لا يتفق مع طبيعة الحياة وسننها، وهدف الخلق. وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وهم المؤمنون الذين يأخذون بأسباب الهداية فيوفقهم الله لبلوغها، والآية تحذرنا من الاغترار بإيماننا، وذلك بالتأكيد على كونه من عند الله وبتوفيقه.
كما تبيِّن لنا الآية بأن الآخر الذي يختار طريق النار، إنما يدخلها بإرادته، وبإيكال الله له إلى نفسه حيث يمنع عنه توفيقه، فلا يحفظه من نوازغ الشيطان، ولا من ضغوط الحياة، كما هو