من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٤ - أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
شأنه مع المؤمنين فإذا به ينقلب على عقبيه.
وهذا الإنسان قبل اختياره لطريق السعير كأي بشر فيه الخير والشر، ولكنه بهذا الاختيار الخاسر يسلب منه عون الله وتوفيقه فيتمحض في الشر، ولهذا ترى أولياء الله المخلصين يلحوُّن على الله بأن لا يكلهم إلى أنفسهم، ولا يقطع عنهم توفيقاته. يقول ابن أبي يعفور: [سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِالله عليه السلام يَقُولُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ
رَبِّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً] [١].
وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍ يشفع لهم، ويخلصهم من العذاب .. وَلا نَصِيرٍ يعينهم، ولعل في هذا المقطع من الآية إشارة إلى حقيقة مهمة: أن الظالم لا يضر بنفسه فقط عندما يتخذ من دون الله أولياء، ويتبع الجبابرة، بل ويظلم الآخرين أيضا، ذلك لأنه باتباعه الظالم- بل محض السكوت عنه- يساهم في سيطرته على الآخرين. ولعل الآية تهدي أيضا- عندما استخدمت كلمة الظالمين- أن لا عدالة في غير ولاية الله، وأن لا نجاة من الظلم إلا بالعودة إليها، فما للظالمين من ولي ولا نصير .. فمن رضي بحكومة الظالمين اكتوى بنارهم، ولا يستجاب دعاؤه في الخلاص منها. وبالرغم من أن لفظة الظالم قد يتسع مدلولها ليشمل كل منحرف إلا إن انتخابها متناسب والسياق الذي يحدثنا عن الولاية، وبتعبير معاصر أي القيادة وما تتبعه من فض الصراعات إما بعدالة أو بظلم.
[٩] بلى، إن الكافرين والمشركين اتخذوا أولياء من دون الله، ولم يدركوا بأنه وحده الولي الحقيقي للإنسان، وصاحب القدرة المطلقة. أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ لأن إليه مصيرنا، وهو القاهر علينا. وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أما الأولياء والأنصار المزعومون فإنهم لا يقدرون على شيء إلا بقدر ما يريده الله لهم، فهم محدودون، والأولى بالعاقل أن ينتمي إلى صاحب القدرة المطلقة فعنده تتحقق طموحاته، ويصل إلى أهدافه.
[١٠] ويبيِّن ربنا معنى الانتماء الحقيقي لولاية الله، بأنه ليس مجرد الادعاء، والتمني في القلب، وحتى طاعة الله في الأمور الاعتيادية التي لا تكلف الإنسان جهدا ولا مصلحة ولا تنازلا، إنما التسليم لهذه الولاية في كل شأن، وبالذات عند الصراع، حيث يتشبث الواحد بفكرته وموقفه، وتثار فيه ذاتياته وعصبياته. وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ أنى كان هذا الشيء، وفي أي جانب من جوانب الحياة .. فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ يستوحى من كتاب الله، ومن أودع قلبه علمه من أئمة الهدى عليهم السلام وأتباعهم الفقهاء، العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه.
ثم يقول القرآن عن لسان الرسول وكل مؤمن يسلم لآياته ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ
[١] الكافي: ج ٢، ص ٥٨١.