من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٧ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
هدى من الآيات
انطلاقا من النقطة المحورية في توجيهات القرآن الحكيم وهي التذكرة بالله الواحد القهار وبرسالاته الحضارية المنزلة على عباده، يبيِّن لنا هذا الدرس بعض ما يتصل بالرؤية التاريخية وما يدور في هذا المجال من الحقائق التي أبرزها انتقام الله انتقاما عمليا للأفكار الحقة ممن يكفر ويستهزئ بها.
بينات من الآيات
[١٥] بماذا نستدل على ربنا؟ وما هو السبيل إلى المعرفة الأعمق به؟
إن الكون بما فيه من مخلوقات، وظواهر، يهدينا لو تفكرنا فيه إلى ربنا والى الحق، ولكن آيات القرآن أبلغ بيانا وهداية، لأنها حديث الله عن نفسه، كما أنها موضع التجلي الأعظم لله تعالى بصفاته وأسمائه الحسنى، وفي الدعاء عن أمير المؤمنين عليه السلام يخاطب ربه فيقول
[يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ]
[١]. فلنقرأ كلام الله عن نفسه. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ إنه المالك لتلك الآفاق والمراتب السامية في الدنيا والآخرة، فهو يرفع المؤمنين به إلى أسمى درجات الكمال والرقي والعزة. أما المعنى الآخر للآية فهو: إن الله ذاته تبارك وتعالى في أرفع الدرجات من الكمال في كل صفاته، فهو مطلق الرحمة، ومطلق العزة والقدرة .. كما أنه مطلق الانتقام والشدة .. ذُو الْعَرْشِ أي القوة والسيطرة. وقد تقدم أن للعرش أحد معان ثلاثة
الأول: المعنى المادي وهو أن العرش خلق عظيم واسع الحجم، ممتد الطول هائل المقام.
الثاني: المعنى المعنوي بأن يكون العرش رمزا للقدرة والعلم والهيمنة.
الثالث: أو أنه الإثنين معاً؛ خلق عظيم جعله الله محلًا للعلم المخلوق والمشيئة والتدبير.
وربنا من تلك الدرجات الرفيعة ينزِّل رسالاته للبشر على من يصطفي من عباده، التي تُعَدُّ في لغة القرآن منبع الحياة الحقيقية للإنسان، لأنها تنقذه من الهلكات، وتنفخ فيه الحركة والتكامل والعروج الإنساني الفاضل، ولعله لهذا السبب سميت الرسالة والملك الذي يتنزل بها وهو جبرائيل عليه السلام بالروح. يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ و هنا إشارة إلى أن الروح ليس جزءاً ينفصل من الله لينزل من عنده إلى الأرض، إنما هو مخلوق فهو من أمر الله
[١] بحار الأنوار: ج ٨٤، ص ٣٣٩، من دعاء الصباح لأمير المؤمنينعليه السلام.