من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - إني مسني الشيطان بنصب وعذاب
الثاني: أن الله عوضه عمن مات من أهله ببنين وبنات آخرين.
الثالث: أن أهله تفرقوا عنه لما أصابه من بلاء، فجمعهم الله له وعطف قلوبهم عليه.
ولكن الروايات أكثر ما تؤكد على الرأي الأول، ومنها قول الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية
(فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ الذيِّنَ مَاتُوا قَبْلَ الَبلِيَّةِ وَرَدَّ عَليِّهِ أَهْلَهُ الذيِّنَ ماتُوا بَعْدَ مَا أَصَابَهمُ الَبلَاء كُلَّهُم أَحْيَاهُمُ اللهُ تَعَالى لَهُ فَعَاشُوا مَعَهُ) [١].
وبعد هذا البيان يصف الله رفعه البلاء عن نبيه بأنه ذو فائدتين
الأولى: تعود على أيوب ذاته، وقد سمّاها رحمة فقال رَحْمَةً مِنَّا لأيوب، وقد تمثلت هذه الرحمة في شفائه من المرض ورد ما فقده عليه.
الثانية: تعود على عموم الرساليين والمتعقلين، وتتمثل في العبر والدروس التي خلفتها القصة.
وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ وأهم درس يستفاد من هذه الآيات، هو أن لا ننهزم أمام مشاكل الحياة وضغوطها، فإذا ما بقي الإنسان قويا في نفسه، مقاوما للآثار النفسية والروحية للأزمات والمشاكل، فإنه لن يتأثر بها. وحتى يتمكن من ذلك يجب أن تكون علاقته بالحياة وما فيها قائمة على أساس أنها وسيلة، لا علاقة شيئية باعتبارها هدفا بذاتها، وأنه إذا لم يصل إلى أهدافه وطموحاته من طريق ما، فسوف يحصل عليها عن طريق آخر. فإذا خسر وسيلته أو فشل فيها فليبق على أهدافه وإرادته، لأنه بجهده وتحركه واستقامته قد يحصل على ما هو أفضل مما فقده، أو فشل المرات الماضية في تحقيقه والوصول إليه، هذا إذا نظر للهزائم والنكسات التي تمر عليه في الحياة نظرة موضوعية، فهي حينئذ ستزيده قوة ومناعة ضد الهزائم، وإصرارا على تسخير الحياة بصورة أفضل، وعلى ضوء التجارب الماضية.
وهذا أيوب عليه السلام يزداد إصرارا على خطه في الحياة، كلما تفاقم بلاؤه، دون أن يستجيب إلى وساوس الشيطان، التي كانت تستهدف إضعاف إرادته والنيل من إيمانه وتقواه.
[٤٤] وحينما حلف أن يضرب زوجه الوفية مئة جلدة، أمره الله أن يجمع في يده مئة شمراخ من عذوق النخل، ويضربها ضربة واحدة. ليرفع عنه حرج الحلف بالله من جهة، وحتى لا تتأذى زوجه من جهة أخرى. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ يقول الإمام الصادق عليه السلام
(فَأَخَذَ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ مِنْ يَمِيْنِهِ)[٢].
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٤١.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٣٤٤.