من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٧ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
ومن الوسائل أبلغها أثرا فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ إن الداعي إلى الله يدل الناس إلى ذروة الكمال، ولا يوفق لهدفه إلا إذا اكتملت نفسه أولا، واستطاع أن يتعالى على غضبه ومصالحه، فإذا كانت بينه وبين أحد من الناس عداوة لا يستغل مركزه لتحطيمه، بل يسعى إليه ليهديه حبا له، وحبا لدعوته، إذ إن وجود حزازات بين الناس وصاحب الدعوة تؤثر سلبيا على الدعوة، ولكن ماذا يملك الداعية في هذا السبيل؟ إنه يملك نفسه فيسخو بها لربه ولدعوته، فإذا به يتنازل عن حقوقه، وعما يسمى عند الناس بالكرامة الشخصية، ويطفق بالإحسان إلى أعدائه. ثم يستخدم حكمته في اختيار السبيل الأحسن، ذلك أن التدبير وحسن الإرادة في الدعوة إلى الله ذو أهمية كبيرة، بالرغم من صعوبتهما البالغة، إذ إن حسن الإدارة بحاجة إلى علم غزير، وتفكر مستمر، ومقدرة فائقة في تنفيذ المهام، مثلا يستدعي التدبير- عادة- الكتمان، وإتباع السبل الخفية في العمل على ما نحمل من مشاق كبيرة، ولكن أنى كانت الصعاب فإن الكتمان وسيلة مهمة لإنجاح مهام الدعوة. أولم يقل الرسولصلى الله عليه واله
[اسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالكِتْمَانِ]
؟ [١]. وهنا نعرف عمق تفسير أهل البيت عليهم السلام حيث جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[الحَسَنَةُ التَّقِيَّةُ والسَّيِّئَةُ الإِذَاعَةُ]
[٢]. ثم إن طموح الداعية عال حيث لا يسعى إلى تجنب أذى العدو، بل إلى جعله وليا حميما له. إنه يسعى أبدا لكسب الناس لدعوته.
[٣٥] إنها القمة السامقة في الخلق الرفيع، لن يبلغها إلا من تميز بأمرين: الصبر والحلم. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فمن تجرع مرارة الصبر أوتي الخلق الرفيع. والصبر في جملة معانيه التطلع إلى المستقبل، ومعايشة أحداثه، بتجاوز اللحظة الراهنة. وهناك علاقة قريبة بين الصبر والحلم، فمن أحاط معرفة بالمستقبل، وطبيعة سير الأحداث، لم يستبد به الحدث الحاضر ومؤثراته، ولعله لذلك قال ربنا سبحانه وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فمن كان حظه عظيما من اليقين والحكمة حَسُنَ خلقه، وصبر على المكاره. والآية تشير إلى أن من يرد الإساءة بالإحسان يكون مجمل حظه عظيما، حيث جاءت الكلمة مطلقة، مما يعني أنه ينتصر في صراعه مع منافسيه وأعدائه، ويتمتع بالسلام الداخلي- النفسي-، فيتمتع بالتقدم والرقي في كافة الحقول.
[٣٦] لأن الاستقامة، وردِّ الإساءة بالإحسان، والصبر، صعب مستصعب، فإن
[١] بحار الأنوار: ح ٧٤، ص ١٥٣.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٢١٧.