من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٤ - وما كيد فرعون إلا في تباب
في الشهوات تظن أن الآخرين مثلها ينازعونها على الشهوات. وإذا أمعنا النظر لوجدنا كلتا الصفتين (الاسراف، الارتياب) تنتهيان إلى صفة واحدة هي عدم التسليم للحق، وعدم الاكتفاء بما أعطاهم الله، و طلب المزيد، المزيد من النعم إلى حد الإسراف، والمزيد من الأدلة إلى حد الجدل في الآيات الواضحات. وتدل هذه الآية على أنه كانت ليوسف رسالة إلى قوم مصر، وقد وفَّر الله لهم فرصة الهداية بهذه الصورة الفريدة حيث جعل مليكهم الحبيب رسولا إليهم لعلهم يهتدون. ولعل الحكمة في ذلك كانت شدة تعلق الشعب المصري ذات الحضارة النهرية بالسلطة السياسية مما حدا بموسى عليه السلام أيضا إلى التوجه إلى شخص فرعون الحاكم الأعلى لبلادهم.
[٣٥] ونسأل: من هم المرتابون؟ ويجيب القرآن: الذين يجادلون في آيات الله، ويحاولون تحريفها من دون أدنى حجة، والحال أن الذي يخالف فكرة ما لا بد أن يأتي بأخرى مثلها أو أفضل منها. الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ وتشمل الآية- كما يبدو- الذين يحرفون آيات الله، ويتصرفون فيها بغير تفويض من الله، فهم يضعون أنفسهم مواضع الحكم بلا سلطان من الله. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فالله يمقتهم فيذلهم في الدنيا ويضل أعمالهم ولا يدعهم يفلحون أبدا. أما الذين آمنوا فيمقتونهم فلا ينخدعون بهم ولا يسلمون لقيادتهم. وهاتان عاقبتان سيئتان لهم. أما العاقبة السوأى فهي سلب فرصة الهداية عنهم إلى الأبد، وذلك بإطفاء شعلة الهدى من قلوبهم.
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ والجبار هو الذي يسعى لقهر الآخرين والتسلط عليهم، وهي من نزعات القيادات والحكام الظلمة. أما المتكبر فهو الذي لا يتواضع للحق، ولا يقتنع بواقعه، إنما يتصور نفسه دائما أكبر من حجمه الحقيقي، وَمَنْ هذه صفته فإن قلبه يصير منغلقا فيختم الله عليه بسلب نور العقل والفطرة منه. والتعبير القرآني دقيق جدا حينما قال كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ، ومع أن بعضا من المفسرين قالوا بأنه يساوي قولنا: قلب كل متكبر جبار، إلا أنه يبدو أن السياق القرآني أراد بيان حقيقة مهمة هي: إن الطبع على القلب تختلف نسبته باختلاف الصفات السلبية عند الإنسان، فقد يطبع الله بنسبة خمسين بالمئة على قلب الزاني أو السارق، أما المتكبر الجبار فإنه يطبع على قلبه كله أي مئة بالمائة، وهذا يكفي لبيان الخلفيات السيئة جدا لهاتين الصفتين.
[٣٦- ٣٧] ولأن بني إسرائيل والشعب المصري لم يؤمنا إيمانا حقيقيا في ظل يوسف الملك النبي فقد ابتلاهم الله بفرعون يحكم من الأريكة ذاتها، وشتان بين الاثنين، وحقا إنها عاقبة الكفر بالنعمة.
ويوجهنا السياق هنا إلى النهايات السيئة لهذا التحول، لعلنا ننتبه إلى أن الكفر برسالات