من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
الآية (٤٩) التي وردت في الدرس الماضي، فللمتقين العاقبة الحسنة عند الله، وللطغاة عاقبة السوء والشر، وليس المقصود من الطاغية هنا السلطان الجائر وحده، وإن كان هو التجسيد الأوضح والأشمل للطغيان، إنما جنوده وأجهزته أيضا، إذ لولاهم لما قدر على الظلم والفساد، بل لعلنا نعمم الحكم على سائر معاني الطغيان، فكما يطغى الإنسان في الحياة السياسية فإنه يطغى كذلك في الحياة الاجتماعية، فيظلم جاره وأسرته والناس، ويظهر من أحاديث مستفيضة في تفسير الآية أن المعني بالطاغين هم سلاطين الجور، بينما المعني بما يلي هم أتباعهم ومن سار على دربهم.
[٥٦] وتفصِّل الآيات في ذكر عاقبة الطغاة، زيادة في التخويف لعل الإنسان يثوب عن الباطل، ويهتدي للحق رغبة في الثواب، ورهبة من العذاب. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا قال بعض الفلاسفة القدماء- يتبعهم بعض الجهلة اليوم-: إن أهل النار يتعودون على عذابها فلا يعودون يتأثرون به، وجَسَّدوا هذه الفكرة المنحرفة في هيكل حيوان زعموا بأنه يلتهم النار، أما القرآن وهو الحق فإنه يخالف هذه الخرافة مؤكدا بأن المجرمين يتذوقون العذاب، وكلمة يَصْلَوْنَهَا تعني أنهم تمسهم جهنم مسا.
فَبِئْسَ الْمِهَادُ وهو المكان الذي يمهد ويهيأ لهم وكأنهم مهَّدوا لأنفسهم فراشا من النار في جهنم، بلى؛ تمهيد الأرضية لسلطانهم تجسد في ذلك اليوم في تمهيد جهنم لهم.
[٥٧] هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ والحميم هو الحرارة الشديدة، أما الغسَّاق فهو كما جاء في بعض كتب اللغة: القيح النتن، وفي الرواية عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال
(الغَسَّاقُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ بَيْتٍ، فِي كُلِّ بَيْتٍ أَرْبَعُونَ زَاوِيَةً فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ شُجَاعٌ
(الحية العظيمة المخيفة)
فِي كُلِّ شُجَاعٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ عَقْرَباً في جُمْجُمةِ كُلِّ عقرْبٍ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ قُلَّةِ سَمٍّ، لَوْ أَنَّ عَقْرَباً مِنْهَا نَضَحَتْ سَمَّهَا عَلَى أَهْلِ جَهَنَّمَ لَوَسِعَتْهُمْ بسَمّها) [١].
[٥٨] وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ولا يقتصر العذاب على هذين النوعين إنما هو أنواع وأساليب مختلفة كثيرة، ونستوحي من هذه الآية أن أنواع العذاب كثيرة جدا، إلا أن بعضها يتلازم مع بعض، كما يتلازم الحميم مع الغساق ويكمله.
[٥٩] وبعد أن يدخل الطغاة النار وينتهي كل واحد إلى موقعه، الذي يضيق به، يجدونه آخرين من أشباههم وأتباعهم الذين انخدعوا بهم يدخلون معهم إلى جهنم ويقال لهم. هَذَا
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٤٢.