من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
المسافة بين العاقبتين منعدمة تماما، فليس ثمة منطقة أخرى بينهما، لهذا يكفي الإنسان حتى يدخل الجنة أن يخرج نفسه من النار، وكما قال الله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥].
وهنا في هذه السورة وبعد أن يبيَّن القرآن الحكيم أمثلة واقعية من التأريخ عن الذين أخلصوا لله في معتقداتهم وأعمالهم، فأصبحوا بذلك قدوة وأئمة في الصالحات، فمنهم من صبر وتجاوز إغراء السلطة والمال كداود وسليمان عليهما السلام ومنهم من صبر على البلاء حتى صار مضرب المثل كأيوب عليه السلام فنالوا الجنة على ذلك. بعد ذلك كله يضرب لنا مثلا من واقع أصحاب النار الذين عصوا الله، وحاربوا المؤمنين، وطغوا في الأرض. وكما أن الأنبياء يشفعون لأتباعهم ويدخلونهم الجنة لا يدخل هؤلاء النار بمفردهم إنما يجرُّون معهم كل من انتمى إليهم، واتبع خطهم في الحياة، وهناك يتخاصم التابع والمتبوع تخاصما عنيفا، يلقي من خلاله كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر، وكان ينبغي أن يحدث هذا الصراع في الدنيا، بأن يتمرد الإنسان على أئمة الكفر، ويرفض حكم الطغاة، أما وهو لم يفعل ذلك فلن ينفعه تخاصمه في يوم الحساب شيئا وقد فوَّت على نفسه فرصة الاختيار السليم، والعمل الصالح في دار الابتلاء.
إن السبب الذي يدعو أكثر الناس لاتباع الطغاة، والانسجام مع الواقع المنحرف الذي يصنعونه في المجتمع ليس عدم معرفتهم بخطئه، إنما لا يتمردون عليه هربا من صعوبات الصراع ومسؤولياته، وإذا استطاعوا ذلك في الدنيا فإنهم يجدون مرارة الصراع في نار جهنم، حيث الظروف القاسية، والعذاب الأليم المستمر.
إن ربنا يقسم في هذه الآيات بأن الصراع في النار حق- كما أكد ذلك في الدنيا في مواقع أخرى من القرآن- والتخاصم الذي يشتعل لظاه هناك لهو دليل على ترك الإنسان الالتزام بمسؤوليات الصراع في هذه الحياة، والذي لا يختار الحق بإرادته يخضع له على الرغم منه، وقد ترك هؤلاء مكافحة الظلم، فها هم يكافحونه هناك في النار.
بينات من الآيات
[٥٥] كما ركزَّت الآيات في أذهاننا مشهد الجنة وبالتالي جزاء المخلصين تذكِّرنا في المقابل بعاقبة الطغاة. هَذَا اسم إشارة يتضمن دعوة للذي يتلو القرآن بالنظر في عاقبة المتقين، والتفكير في جزائهم، ولكن ينبغي أن لا يغفل عما أعد للظالمين من العذاب، وذلك من أجل أن يحفظ توازن نفسه وعقله بين الرجاء والخوف. وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ وتقابل هذه الآية