من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٣ - وخسر هنالك المبطلون
[أَتَأْمُرُونَنِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجَورِ فِيمنَ وُلِّيتُ عَلَيهِ؟!] [١].
والحكمة في ذلك أن الهدف الأول لأنصار الرسالة تكريس بالحق وإنذار الناس به، وقد لا تكون السلطة أفضل وسيلة لذلك، إذ قد يكون أثر حركة معارضة في توجيه الحالة الاجتماعية أشد وأبقى من تأثير السلطة الحاكمة. وقد يكون المطلوب إيجاد قوة رسالية ضاغطة باتجاه القيم في مواجهة قوة كافرة تضغط باتجاه الضلال، وفي هذا الوقت تكون السلطة غير مناسبة لإيجاد تلك القوة. وقد يخشى أن يولد الانتصار في غير أوانه فيكون ناقصا، ويجهض سريعا، وبتعبير آخر قد يمنع النصر العاجل المحدد نصرا آجلا أرسخ جذورا وأوسع فروعا. وقد تكون شهادة الرسالي أقوى حجة لسلامة خطه وصحة دعوته من انتصاره، فتكون هي الغاية السامية له .. لذلك نجد الإمام الحسين عليه السلام اندفع للشهادة قائلا
[خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الفَتَاةِ وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف]
[٢]. ثم ناضل أعداء الرسالة، حتى إذا قدم كل أنصاره وأهل بيته وحتى طفله الرضيع، واحتمل جسده عشرات الجراحات، وخرّ على الأرض صريعا، قال
[إِلَهيِ صَبراً عَلَى قَضَائِكَ لَا مَعبُودَ سِوَاكَ] [٣].
[٧٨] تلك هي سنة الأنبياء جميعا، إنهم يتجردون لرسالات ربهم، ويخلصون لله نياتهم و أعمالهم، وحتى الآيات التي تنزل عليهم كانت بإذن الله. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ولأنك في خطهم وعلى سبيل الذي مضوا عليه فلا بد أن تهتدي بسيرتهم، وتنظر إلى سنة الله فيهم. مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ جاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه واله
[خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ أَنَا أَكْرَمُهُمْ عَلَى الله وَلَا فَخْرَ وَخَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِائَةَ أَلْفِ وَصِيٍّ وَأَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ أَلْفَ وَصِيٍّ فَعَلِيٌّ أَكْرَمُهُمْ عَلَى الله وَأَفْضَلُهُمْ]
[٤]. وجاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً أَسْوَدَ لَمْ يَقُصَّ عَلَيْنَا قِصَّتَهُ] [٥].
وكل أولئك الرسل مضوا على هذه السنة، وهي وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فحتى الآيات التي تشهد على صدق نبوته ليست بإذنه وإنما بإذن الله سبحانه. فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ الذين أعرضوا عن رسالة الله وخالفوا رسله، وهكذا حين فوَّض الرسل أمورهم إلى الله سبحانه أحسن الله تدبيره، وانتقم
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٢٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤٤، ص ٣٦٦.
[٣] ينابيع المودة: ج ٣، ص ٨٢.
[٤] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٠.
[٥] بحار الأنوار: ج ٤٠، ص ١٧٠.