من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - وخسر هنالك المبطلون
تدمير، وسوف تلاحقهم لعنة اللاعنين، وسوف ينتصر الرب لرسالاته، ويمكن المستضعفين في الأرض، كل ذلك وعد من الله، ولن يخلف الله وعده، ولكنه بحاجة إلى الصبر. فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ بما أن الرسول ومن يتبع نهجه لا يبحث عن النصر لنفسه، بل لرسالته، فإن النتيجة عنده واحدة سواء انتصرت مبادئه في حياته أو بعد وفاته.
إن الرسول والمؤمنين قد شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ولا يبحثون عن تشفي نفوسهم بالانتقام من أعدائهم، بل يفوضون أمرهم إلى ربهم فسواء انتصروا أم توفوا، فإنهم قد أدوا واجبهم. حقا إنه أعلى درجات الإيثار، يؤدب الله بها من اصطفاهم من عباده الأكرمين!
كم هي صعبة (وعظيمة في الوقت ذاته) أن يستخلص قلب الداعية من كل رغبة خاصة حتى ولو كانت رغبة الانتقام من أعداء الله. ولكن هذا هو المطلوب في حركة أتباع الأنبياء، ولولاه لكانت تزيغ عن الصراط المستقيم، ولانعدم الاطمئنان إليها وإلى حملتها، ولم تقم الحجة على عباد الله حيث إن طلاب المناصب كثيرون، ولو وضع هؤلاء أيضا المنصب نصب أعينهم لاشتبه الأمر على عامة الناس، فلعل هؤلاء أيضا اتخذوا الدين وسيلة للسلطة، كلا .. إن هؤلاء من نمط آخر، فحتى لو سعت إليهم السلطة سعيا ابتعدوا عن لذاتها و بهارجها، فهذا قدوتهم المثلى سيد البشر محمد بن عبد الله وخاتم النبيين صلى الله عليه واله سعت إليه قريش يعرضون عليه أجمل نسائهم، وأصفى أموالهم، والملك عليهم، فرفض إلا تبليغ دعوته. ولو خالط حب الدنيا قلب الداعية أثر من حيث يدري أو لا يدري على قراراته الاستراتيجية، ذلك أن عمل الإنسان إنما هو تجسيد لنياته، وقد قال ربنا قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء: ٨٤]، فشخصية الإنسان الداخلية تبرز من خلال أعماله شاء أم أبى، وهكذا تنحرف الرسالة عن مسيرها القويم، إذا لم يخلص حملتها نياتهم لله.
وإن فريقا من المنتمين إلى الحركات الرسالية يزعمون أنها حركات سياسية ولكن بصبغة إلهية، فإذا زويت عنها المكاسب العاجلة لمصلحة سائر السياسيين اتهموا قادة الحركة بالسذاجة والانطواء، وحين يطول انتظارهم للنصر تراهم يرتابون في القيم رأسا، وينسحبون عن الساحة؛ كلا .. إنها حركات دينية أولا، وسياسية ثانيا، ذلك أنهم لا يصوغون استراتيجيتهم وفق المتغيرات السياسية، بل حسب الواجبات الدينية، وأعينهم مسمَّرة على أجر الله ورضوانه قبل أن ترمق ملامح نصره، ولذلك تراهم لا يداهنون أعداءهم، ولا يتنازلون عن قيمهم، لا يخادعون الناس، ولا يمالئون المترفين على حساب دينهم، ولا يخشون قوة كبرى، ولا يظلمون قوة صغرى. فهذا الإمام علي عليه السلام حين أشار عليه قومه ببعض الحيل السياسية نهرهم قائلا