من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٣ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
الثانية: تتمثل في أن الله جلت قدرته يسلب منهم حلاوة اليقين أي إنهم يعيشون دائماً حالة الشك، فالإنسان الذي يفكر في نفسه وقضاياه وأموره ومصالحه الشخصية، وتَرِدُ إلى ذهنه الكثير من الأفكار الشيطانية، فإنه يفقد حلاوة المناجاة والصلاة والتعبد، لأن قلبه مشغول دائماً بنفسه. وهكذا أوصت الآية بالعلاج الجذري للخلافات البشرية التي تنبعث من اتباع الأهواء والظلم على بعضهم (البغي) ذلك هو روح اليقين في الكتاب، والابتعاد عن حالة الشك والتردد فيه، كما أشارت إلى سنة التراخي عن اليقين بسبب طول الأمد، حيث يختلف الالتزام بالكتاب بين الجيل الذي هبط فيه الكتاب، وبين الذين أورثوا الكتاب، والشك المريب هو الشك المتعلق الذي يثير الاضطراب.
[١٥] وحيث قضى الله سبحانه في كتابه بالحق، يجب على الرسول وعلى كل مؤمن أن يدعو إليه، ويستقيم على نهجه بالتحصن ضد الأهواء والصراعات، لأنه لو زاغ المؤمن إلى جانب من جوانب الصراع لانتهى دوره في الهيمنة على الخلافات الاجتماعية. فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ إنما اتبع الهدى الموحى إليك من ربك، بعيدا عن الضغوط والدعايات. هنا يأمر القرآن الرسول ومن خلاله كل من اتبعه
أولًا: بالدعوة، وإعلان الكلمة الصادقة ومن ثم إعلان المواجهة مع الكفر.
ثانياً: بالاستقامة، بالصبر على الأذى الذي يلحقه من جراء الدعوة.
ثالثاً: بجعل القرآن منهاجا للعمل.
رابعاً: عدم التنازل عن الدعوة تحت ضغوط الآخرين الذين يتبعون أهواءهم، لكي يبقى الدين خالصا لله.
وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ لأن الميزان هو الوحي، وكما أوحى الله الكتاب على نبيه محمد صلى الله عليه واله فقد أوحى إلى موسى وعيسى عليهما السلام، وإعلان الرسول أنه مؤمن بسائر الرسالات الإلهية شاهد على أن دعوته لا تشوبها ذرة من الذاتية، إنما هي دعوة خالصة إلى الله وإلى كتبه ورسالاته جميعا، وهكذا ينبغي أن يكون محور الإنسان هو الحق، سواء كان متمثلا في ما عنده أو عند الآخرين.
وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ على ضوء منهاج الكتاب، لأن العدالة وحدها الكفيلة برفع أنواع الخلافات فيه. أليس البغي جذر كل خلاف؟ كذلك العدل أرضية الوحدة، وحين لا يكون العدل يتهاوى عرش التجمع على أطرافه! يقول الإمام علي عليه السلام
[وإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ