من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٢ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
يَوْمِ الدِّينِ. يَوْمَ يَقِفُنِي وإِيَّاكَ كَمَا تَرَكْتَنِي عُرْيَانَةً فِي عَسَاكِرِ المَوْتَى ونَزَعْتَنِي مِنْ حُفْرَتِي وسَلَبْتَنِي أَكْفَانِي وتَرَكْتَنِي أَقُومُ جُنُبَةً إِلَى حِسَابِي فَوَيْلٌ لِشَبَابِكَ مِنَ النَّارِ. فَمَا أَظُنُّ إِنِّي أَشَمُّ رِيحَ الجَنَّةِ أَبَداً فَمَا تَرَى لِي رَسُولَ الله؟. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
تَنَحَّ عَنِّي يَا فَاسِقُ إِنِّي أَخَافَ أَنْ أَحْتَرِقَ بِنَارِكَ فَمَا أَقْرَبَكَ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صلى الله عليه واله يَقُولُ ويُشِيرُ إِلَيْهِ حَتَّى أَمْعَنَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَذَهَبَ فَأَتَى المَدِينَةَ فَتَزَوَّدَ مِنْهَا ثُمَّ أَتَى بَعْضَ جِبَالِهَا فَتَعَبَّدَ فِيهَا ولَبِسَ مِسْحاً وغَلَّ يَدَيْهِ جَمِيعاً إِلَى عُنُقِهِ ونَادَى: يَا رَبِّ هَذَا عَبْدُكَ بُهْلُولٌ بَيْنَ يَدَيْكَ مَغْلُولٌ. يَا رَبِّ أَنْتَ الَّذِي تَعْرِفُنِي وزِلْ مِنِّي مَا تَعْلَمُ. سَيِّدِي يَا رَبِّ إِنِّي أَصْبَحْتُ مِنَ النَّادِمِينَ، وأَتَيْتُ نَبِيَّكَ تَائِباً فَطَرَدَنِي وزَادَنِي خَوْفاً فَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ وجَلَالِكَ وعَظَمَةِ سُلْطَانِكَ أَنْ لَا تُخَيِّبَ رَجَائِي يَا سَيِّدِي، ولَا تُبْطِلْ دُعَائِي، ولَا تُقَنِّطْنِي مِنْ رَحْمَتِكَ.
فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ولَيْلَةً تَبْكِي لَهُ السِّبَاعُ والوُحُوشُ فَلَمَّا تَمَّتْ لَهُ أَرْبَعُونَ يَوْماً ولَيْلَةً رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وقَالَ: اللَّهُمَّ مَا فَعَلْتَ فِي حَاجَتِي إِنْ كُنْتَ اسْتَجَبْتَ دُعَائِي وغَفَرْتَ خَطِيئَتِي فَأَوْحِ إِلَى نَبِيِّكَ. وإِنْ لَمْ تَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي ولَمْ تَغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وأَرَدْتَ عُقُوبَتِي فَعَجِّلْ بِنَارٍ تُحْرِقُنِي أَوْ عُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا تُهْلِكُنِي وخَلِّصْنِي مِنْ فَضِيحَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه واله وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً يَعْنِي الزِّنَى أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يَعْنِي بِارْتِكَابِ ذَنْبٍ أَعْظَمَ مِنَ الزِّنَا ونَبْشِ القُبُورِ وأَخْذِ الأَكْفَانِ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يَقُولُ خَافُوا اللهَ فَعَجَّلُوا التَّوْبَةَ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أَتَاكَ عَبْدِي يَا مُحَمَّدُ تَائِباً فَطَرَدْتَهُ فَأَيْنَ يَذْهَبُ وإِلَى مَنْ يَقْصِدُ ومَنْ يَسْأَلُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذَنْباً غَيْرِي ثُمَّ قَالَ عَزَّ وجَلَ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَقُولُ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى الزِّنَى ونَبْشِ القُبُورِ وأَخْذِ الأَكْفَانِ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله خَرَجَ وهُوَ يَتْلُوهَا وهُوَ يَتَبَسَّمُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ
مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى ذَلِكَ الشَّابِّ التَّائِبِ؟.
فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنَا أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وكَذَا فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله بِأَصْحَابِهِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى ذَلِكَ الجَبَلِ فَصَعِدُوا إِلَيْهِ يَطْلُبُونَ الشَّابَّ فَإِذَا هُمْ بِالشَّابِّ قَائِمٌ بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ مَغْلُولَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ قَدِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ وتَسَاقَطَتْ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ مِنَ البُكَاءِ وهُوَ يَقُولُ: يَا سَيِّدِي قَدْ أَحْسَنْتَ خَلْقِي وأَحْسَنْتَ صُورَتِي فَلَيْتَ شِعْرِي مَا ذَا تُرِيدُ بِي أَ فِي النَّارِ تُحْرِقُنِي، أَوْ فِي جِوَارِكَ تُسْكِنُنِي. اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ الإِحْسَانَ إِلَيَّ فَأَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا ذَا يَكُونُ آخِرُ أَمْرِي إِلَى الجَنَّةِ تَزُفُّنِي أَمْ إِلَى النَّارِ تَسُوقُنِي. اللَّهُمَّ إِنَّ خَطِيئَتِي أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ ومِنْ كُرْسِيِّكَ الوَاسِعِ وعَرْشِكَ العَظِيمِ فَلَيْتَ شِعْرِي تَغْفِرُ خَطِيئَتِي أَمْ تَفْضَحُنِي بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ.