من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - سبحان الله عما يصفون
في قصة أحد الأنبياء الذي حاربه قومه فاختفى في جذع شجرة، ولما دلَّهم الشيطان عليه قطعوا جذعها بالمنشار، فأصابه من حدها فقال: (آه). فأوحى الله إليه إن عدت لها مرة أخرى محوت اسمك من ديوان الأنبياء، ولا ريب أن لحظة الوقوع في الخطأ لرفع الله عنهم العصمة ليتصرفوا بطبيعتهم البشرية المجردة، ولعله لحكمة معينة هي إظهار بشريتهم عليه السلام.
وهكذا غضب الله على نبيه يونس بسبب تركه للأولى، وسرعة الدعاء على قومه، الأمر الذي جعله مستحقا عند الله الاعتقال، فسجنه في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، في قصة خلاصتها أنه وصل إلى البحر هاربا من قومه، وركب سفينة مليئة بالمسافرين، وفي عرض البحر حيث طغى ماؤه وهاج موجه، و تخوف الجميع من غرقها، فقال ربان السفينة: إن عبدا آبقا موجودا في سفينتنا، وكانت عادتهم الاقتراع في مثل هذه الظروف ومن يظهر اسمه في القرعة هو الذي يلقى في البحر ليخف وزن السفينة، وكانت القرعة ولثلاث مرات تتجه إلى يونس بن متى فرموه في عرض البحر، فتلقفه الحوت الذي ابتلعه وبقي في بطنه.
ولم ينقذ يونس عليه السلام من هذا المأزق إلا بتضرعه لله واعترافه بخطئه سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧]. إذ أمر الله الحوت أن يقذفه على الساحل وخرج من بطنه وقد اهترأ جلده، فأنبت الله له شجرة اليقطين ذات الأوراق الكبيرة، فشفي وخرج ليمارس مسؤولية التبليغ من جديد.
وتهدينا هذه القصة كما القصص الماضية، إلى الحقيقة التي سبق أن ذكر بها السياق القرآني، وهي أن العباد المخلصين بشر وليسوا أولادا لله سبحانه، ولا آلهة، وذلك خلافا لما يصفهم به المشركون، كما أنهم لم يوصفوا بتلك الصفات المثلى إلا بما سعوا وأحسنوا، وقد اعترضتهم- كما يحصل ذلك لأي إنسان آخر- الصعاب والمشاكل، ولو كانوا كما يصفهم المشركون لتجاوزوها، والحال أنهم لولا رحمة الله لكانوا من الهالكين.
بلى، إن ربنا سبحانه ترك عليهم سلاما دائما على كل لسان لما امتلكوا من صفات جعلتهم أئمة وقادة. ولعل هذا التأكيد على السلام عليهم لكي يتخذوا قادة، ولكي يعرف الناس حدود إكرامهم للأنبياء فلا يغلوا فيهم حتى مقام الربوبية، ولا ينزلونهم إلى مستوى العلماء والمفكرين، وأخيرا لكي يفسر القرآن سبب إكرام الناس للأنبياء فلا يحرفه الضالون عن سبيل التوحيد.
بينات من الآيات
[١٣٩- ١٤٠] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ والآبق هو الهارب، والمشحون الممتلئ.