من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٠ - سبحان الله عما يصفون
[١٤١] ولما أبحرت السفينة وخاف أهلها من الغرق اقترحوا أن يقترعوا، ليلقوا واحدا من ركابها في البحر تخفيفا لوزنها. فَسَاهَمَ النبي يونس عليه السلام بعد أن وافقهم. فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ والمدحض هو الذي لاحظ له، وقد خسر القرعة ثلاث مرات.
[١٤٢] فلما كان الأمر كذلك ألقي في البحر. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ والمليم الذي يأتي من التصرفات ما يستحق عليه اللوم.
[١٤٣- ١٤٤] ولكن يونس أدرك خطأه الذي هو عبارة عن ترك الأولى واعترف به إذ لم يصبر على قومه، ودعا عليهم قبل أن يستأذن الرَّب تعالى كما هو شأن الأنبياء. وهنا ندرك عظمة نبينا صلى الله عليه واله إذ أذِن له مراراً وتكراراً فكان صلى الله عليه واله يدعو لهم بالهداية والمغفرة. وتجدر الإشارة إلى أن دعاء يونس عليه السلام على قومه كان تجربة عنيفة للقوم مهدت لتوبتهم.
وهكذا ربما كان عدم التدخل الإلهي لمنع يونس عليه السلام من الدعاء- ودعاء الأنبياء مستجاب- تمهيداً لحصول تجربتين للقوم وللنبي عليه السلام، وفي عاقبتهما أن تحققت الهداية. والله لطيف لما يشاء وهو أحكم الحاكمين.
فالنبي يونس عليه السلام اهتدى إلى طريق التوبة ورضا الله وهو الاستغفار والتسبيح- وهكذا يجب علينا نحن حينما نقع في المعصية- وبهذا تجاوز النبي عليه السلام محنته ليخلف للبشرية درسا في معالجة الخطأ. ولولا أنه أصلح خطأه لأحاط به فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وذلك بأن يكون قبره في بطنه.
[١٤٥] ولكن الله أخرجه من بطن الحوت بعد توبته.* فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ أي مريض والسقم شدة المرض، أما العراء فهي الصحراء.
[١٤٦] وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ لأنه ربما كان يحتاج إلى الظل كعلاج إلى سقمه، قال الإمام علي عليه السلام
(وَأَمَرَ الحُوتَ أَنْ تَلْفِظَهُ فَلَفِظَتْهُ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ وَقَدْ ذَهَبَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ وَأَنْبَتَ اللهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَهِيَ الدُّبَّاءُ فَأَظَلَّتْهُ مِنَ الشَّمْسِ فَشَكَرَ، ثُمَّ أَمَرَ اللهُ الشَّجَرَةَ فَتَنَحَّتْ عَنْهُ وَوَقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ فَجَزِعَ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ يَا يُونُسُ لِمَ لَمْ تَرْحَمْ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَأَنْتَ تَجْزَعُ مِنْ أَلَمِ سَاعَةٍ؟! فَقَالَ: يَا رَبِّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ، فَرَدَّ اللهُ بَدَنَهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَآمَنُوا بِه)
[١]. ويبدو أن الشجرة لم تكن تظله وحسب، وإنما كان يتداوى بها من مرضه، لأن ثمر هذه الشجرة- وهو القرع- بارد طبعه كما يقولون ينفع الجسم الملتهب.
[١] بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٣٨٢ ب ٢٦، تفسير القمي: ج ١ ص ٣١٨.