من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - وما كيد فرعون إلا في تباب
المناسبة لتفجير الصراع مع الطاغوت، وها قد حل أوانها حيث جمع فرعون وزراءه وأنصاره وقوات جيشه وسحرته ليقرروا قتل موسى عليه السلام، فاستبسل من بينهم وتحدى الظلم والظالمين ليضرب لنا مثلا صادقا عن التقية التي يرتضيها الله تعالى، وهي النابعة من الإيمان والإرادة والتخطيط والعمل، وليست الناتجة عن خور العزيمة وخوف الإنسان وحبه للراحة. فهي إذن تمهيد للتحدي، وجمع للقوى، لتفجير الصراع في وقته المناسب.
وهكذا استطاع مؤمن آل فرعون تعويق مؤامرات فرعون التي استهدفت قتل موسى عليه السلام، وبذلك وفي ربنا عهده لرسوله الأمين بنصره وتأييده. وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ فهو من جهة تحدى فرعون، ومن جهة أخرى طالب مَنْ حوله باتّباعه وحمّلهم مسؤولية الثقة برسالته والطموح إلى تغيير حكومة فرعون، وهكذا ينبغي للرساليين أن يثقوا برسالتهم في الحياة، وأن يطرحوا أنفسهم قادة للناس بديلا عن القيادات الفاسدة دون استحياء أو وجل.
[٣٩] وحيث شخص المؤمن جذر الانحراف ونقطة الضعف التي تدعوهم للالتفاف حول فرعون واتباعه، وهي المادية التي تتجسد في اللهث وراء حطام الدنيا، ذكرهم بالآخرة التي تتميز عن الدنيا بنوعية نعيمها الأفضل، بينما الدنيا بما فيها تشبه المتاع الذي يأخذه المسافر معه وهو قليل ومحدود، كما أكد على مفارقة أخرى مهمة هي: أن نعيم الآخرة دائم لا ينتهي حيث يلغى فيها حساب الزمن، بينما الدنيا محدودة جدا. يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ وهل يختار العاقل تلك على هذه؟!! كلا ..
[٤٠] ويمضي المؤمن في بيان معالم ثقافته الرسالية رغبة منه في إنقاذ الناس من ضلالات الطاغوت، قائلا مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا عدالة ورحمة من الله بعباده، ولعله أراد من ذلك فضح سياسة فرعون القائمة على الظلم والجور. وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فالمقياس عند الله هو العمل، أما التمايزات المادية والظاهرية- التي تقرها الأنظمة البشرية الفاسدة- فلا معنى لها أبدا. بلى، هناك أمر واحد يرتكز عليه العمل فلا يقبل إلا به وهو الإيمان. والذين يتوفر لديهم هذان الشرطان (العمل الإيمان) هم الذين يدخلون الجنة. فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ إن مشكلة الكثير من الذين يرفضون الإيمان بالحق والعمل به هو أنهم ينظرون له من خلال البلاء والمعاناة التي يستتبعها الإيمان به، وليس من علاج لهذه المشكلة أفضل من التوجيه إلى نعيم الآخرة الذي هو ثمرة الإيمان والعمل. وحيث ركز المؤمن حديثه مع أتباع فرعون الغارقين في المادة أراد علاج هذه المشكلة، فهم يتساءلون: نحن الآن نترك فرعون ونخسر هذا النعيم فماذا نجد باتباع الحق؟.