من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - وأفوض أمري إلى الله
أرأيت جرثومة السل في المجهر؟ أو سمعت بفيروس الجذام؟ إنهما في الواقع يمثلان المرض ذاته الذي تظهر أعراضه على المسلول والمجذوم، ولكن الخبير وحده يعرف ذلك، أما الجاهل فتراه يستنكر أن تكون هذه الجرثومة وذلك الفيروس هو المرض ذاته .. كذلك خبير المتفجرات يعرف مدى قوة النار الكامنة في كيلوغرام من مادة متفجرة حارقة، أما الجاهل فلعله يحسبها ترابا، كذلك المؤمنون الواعون يعرفون أن مال اليتيم هو ذاته اللهب إذا أكله الغاصب، وأن الكذب رائحته نتنة تخرج من فم صاحبها وتنتظره على باب جهنم، وأن الظلم اليوم ذاته ظلمات في القيامة، وهكذا ..
[٤٢] والنار التي يدعو المؤمن للنجاة منها هي الكفر بالله الذي يتمثل بالشرك به. فما هو الشرك؟ إنه الخضوع لأحد من دون أن يأذن الله وينزل عليه سلطانا مبينا. تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ لعل قوم فرعون كانوا جاحدين بالله رأسا، أو كانوا مشركين وشركهم دعاهم إلى الكفر، لذلك قال لهم مؤمنهم وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ونستوحي من هذه الآية- كما من آيات- أخرى أن مجرد التسليم لما لا يعلم الإنسان يقينا أن الله أمره به شرك. وقد خلق الله الإنسان عبدا له لا لغيره، ولم يأذن له بأن يتنازل عن حريته لأحد أبدا، بل فرض عليه مقاومة من يريد سلب حريته والاعتداء على حرمة استقلاله، وعَدَّ مجرد التسليم للطاغية شركا، وإن الشرك لظلم عظيم. أما دعوة الحق فهي إلى الله وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ فبعزته يهيمن علينا ويفرض سلطانه، وبمغفرته يقبل التوبة عن عباده المسرفين، الذين طالما سكتوا عن جرائم الطاغوت، وغدوا يأكلون رزق الله ويعبدون عدوه، كما قبل توبة السحرة.
[٤٣] لا ريب أن البشر- أنَّى سخر القوى المادية- يحيط به الضعف من كل جهة، فهو محكوم بسنن الله، وإنما يسعى للطغيان لعله يخفف عن ضعفه، لعله يمنع عن نفسه المرض والشيخوخة والموت، فهو أضعف من أن يمنح الآخرين قوة .. وهكذا فهو ليس جديرا بالدعوة إليه. لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ إنها مجرد خرافات وأوهام وأماني وغرور. وتفسير كلمة لا جَرَمَ حرفيا: لا قطع، وتعني أنه لا أحد قادر على قطع هذا الكلام أو نقضه، فهو كلام حق، وقد استخدمها مؤمن آل فرعون لمزيد من الثقة بهذه الحقيقة، ولتحدى حالة الخوف والرغبة عند أنصار فرعون الذين فقدوا كل استقلالهم وثقتهم بأنفسهم أمام طغيان فرعون .. وإن كانوا يتفكرون قليلا لعرفوا أن فرعون أضعف من أن يفرض عليهم سلطانه، إن لم يكن أقل منهم قوة فلا ريب أنه كواحد منهم، وإنما يستمد قوته من ضعفهم، و هيبته من ذلهم، ولو أنهم عرفوا قيمة أنفسهم حقا لوجدوه تافها حقيرا، وأنه- بالتالي- ليس له دعوة، ولا فرق بينه وبين صخرة صماء أو بقرة عجماء أو شجرة مسوسة. أرأيت هؤلاء الذين يعبدون صنما أو بقرا أو شجرة هل يعطيهم ما يعبدونه شيئا أم