من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا
[٤] ويحدثنا ربنا عن نفسه، في إطار تذكرته برسالته. لماذا؟ لأن معرفته تعالى هي أساس كل معرفة، وتسبق في الأولوية الإيمان بكل الحقائق. ومن هذا المنهج يستوحي الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام بصيرته حين يقول
[أَوَّلُ الدِّين مَعْرفتُهُ، وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بِهِ، وَكَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلَاصُ لَهُ] [١].
فمن دون معرفة الله، وهيمنته على كل شيء وإحاطته به، وملكه للدنيا والآخرة، لا يستطيع الإنسان أن يؤمن بالوحي الذي هو سنة إلهية خارقة للمألوف عند البشر، وليس تكاملا يبلغه الإنسان بعبقرية.
ولقد أشارت الآية السابقة إلى اسمي العزيز الحكيم لرب العالمين، لأن العزة تعني القدرة الفاعلة أو انعكاس القدرة على الخلق، وهو يستدعي بعث الرسل ليكونوا مظاهر قدرة الله وهيمنته وعزته وحاكميته، كما قال ربنا عنهم وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: ٦٤]. أما الحكمة فهي انعكاس العلم على الفعل، ولأن ربنا حكيم فهو لا يترك الناس سدى، وتتجلى عزة الله في الوحي القرآني الذي يهدينا إلى أسباب القوة، كما تتجلى حكمته في مناهجه الرشيدة. ثم يشير ربنا هنا إلى حاكمية الرب في السماوات والأرض، مما تستوجب فطريا حاكميته على الناس بالوحي، فيقول لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ومن يشك في رسالة النبي محمد صلى الله عليه واله فهو لم يعرف ربه حقا، إذ إنه لو عرف عزته وحكمته ومالكيته التي يهيمن بها على الحياة لما شك في وحيه ورسالته، ذلك أن خالق الكون هو نفسه الذي خلق المنهج الذي يهدينا إلى تسخيره في صالحنا.
ولأن السبب في كفر الإنسان بالبعث وبكثير من الحقائق الأخرى التي يهتف بها الوحي، هو عدم إيمانه بقدرة الله حيث يشك في عودة رميم العظام بشرا سويا، يؤكد القرآن صفات الله الحسنى فور حديثه عن الوحي أو البعث أو .. أو ..، ذلك أننا إذا آمنا بقدرة الله وحكمته وعلمه فسوف نؤمن بكل ما يصدر عنه وما يأمر به إيمانا واعيا، ونعمل به بلا تكلف، لأننا آنئذ نعرف عظمته. أوليس قد أوحى به العظيم، وأن فيه صلاحنا؟ أوليس قد أنزله ربنا الحكيم ونزداد يقينا بصدق أنبائه، مما يبعث فينا العزيمة والأمل، ونستعد للدفاع عنه بأموالنا وأنفسنا، لأنه هبط من عند ربنا القدوس.
وهكذا ينبغي أن نسلك إلى معرفة الوحي طريق معرفة الخالق حتى نجعله في مقامه الأسمى، ولا نقيسه بسائر الكلام أبدا، ولا نرضى بأن يتخذ البعض مصدر تشريعاتهم من
[١] نهج البلاغة: خطبة ١.