من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٨ - وأشرقت الأرض بنور ربها
تسليما مطلقا، ولا يشرك البشر بشيء إلا إذا اعتقد بهيمنته وسيطرته ولو على جانب من الحياة، وإنما يخضع البعض لأنظمة الطواغيت بسبب هيمنتهم الظاهرية على المجتمع.
بينات من الآيات
[٦١] حدثنا ربنا في نهاية الدرس السابق عن المتكبرين الذين يحشرون بوجوه مسودة، وفي جهنم يخصص لهم واديا سحيقا يلقون فيه أشد ألوان العذاب، وهذا مما يثير الخوف في النفس فأراد الله تعالى أن يدخل الاطمئنان والرجاء على عباده المؤمنين حيث وعدهم مباشرة بالنجاة من العذاب، وبراحة البال. وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ والمفازة من الفوز، ومعناها النجاة، والمؤمنون ينجون بتقواهم. لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وهو أدنى العذاب. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من طبيعة الإنسان أنه إذا وجد جزاء عمله وكان طموحا فإنه غالبا ما يستقله ويعتقد أن عمله كان أكبر منه، أما المؤمنون فإنهم يجدون أنه جزاؤهم الأوفى فترضى به نفوسهم، ولا يحزنون على ما قدَّموه من عمل أو أنفقوه من مال أو نفس، ذلك أنهم يرون جزاءهم الأوفى في يوم القيامة، وهو أكبر بكثير مما كانوا يتوقعونه فإنهم لا يحزنون.
[٦٢] ويعرِّفنا ربنا نفسه من خلال القرآن. اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي حافظ ومهيمن ومدبر، والآية تنسف فكرة التفويض التي تزعم بأنه تعالى خلق الأشياء ثم تركها و شانها.
[٦٣] لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يتصرف فيهما كيف يشاء، والمقاليد جمع مقليد أو مقلاد، ومعناه المفتاح، فمفاتيح السماوات والأرض بيده عز وجل، وكون مفاتيح الشيء بيده يدل على أنه متصرف في ذلك الشيء وفيما يحتويه. ولعل كلمة مقاليد تدلنا على وجود سنن وأنظمة تحكم هذا الكون، ومع أن ربنا فوق السنن والأنظمة، إلا أنه بحكمته يهيمن على الخلق من خلالهما، ولأن المؤمنون يسلمِّون له تعالى، ويتبعون آياته فإنهم وحدهم الذين يفلحون ويفوزون في الحياة، ويسخرونها أفضل من غيرهم لصالحهم. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ والآية هي العلامة من الشيء، وآيات الله هي العلامات الهادية للحق والصلاح، وحيث يرفضها الكفار يضلون ولا يبلغون الفوز والفلاح.
[٦٤] ويأمر الله نبيه الأكرم صلى الله عليه واله بتحدي هؤلاء. قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ إنهم يجهلون بالله، ولا يعرفون هيمنته على كل شيء وخلقه له، ويرتكزون في الجهل بصورة أعمق حينما يظنون أن الأنداد التي يزعمونها من دونه تستحق العبادة، ويأمرون الناس بالخضوع لها. وليس شرطا أن تكون هذه الأنداد من الحجارة، بل هي كل باطل يخضع له