من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - ألا لله الدين الخالص
مخلوقات فلا حاجة له إلى واحد منها لأنه كان قبل أن يكون أي شيء فكيف يحتاج إلى شيء لم يكن من الأزل، بل كيف يحتاج إلى شيء هو في وجوده يحتاج إلى خالقه سبحانه؟!.
ثالثاً: أنه لا يتم- لو تم إنجاز الولد- بسبب علاقة نسبية (نشوية) بين الله سبحانه وبين بعض خلقه، إذ كل شيء مخلوق لله، ولا تفاضل في أصل الخلق بين شيء وشيء، فليس بعض الخلق مارس الله حين أنشأه لغوبا، بينما خلق بعض الأشياء بيسر وسهولة، كلا .. ولا هناك مراتب في الخلق كما زعمت الفلاسفة بلا حجة، إنما يكون عبر الاصطفاء. وإنما استوحينا هذه البصائر بالترتيب من الكلمات الثلاث في الآية يَتَّخِذَ، و لاصْطَفَى، و مِمَّا يَخْلُقُ.
سُبْحَانَهُ عن نسبة الشريك إليه أو عن اتخاذ الولد حتى من بين خلقه اصطفاء. هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ فلا يتجزأ بالإفاضة ولا بالتنزل ولا بالحلول، ولا يتجلى في الشمس والقمر والنجوم والسهل والجبل والشجر والبحر والأحياء .. كما ادَّعاه الضالون من أنصار وحدة الوجود.
عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَ تَقُولُ إِنَّ الله وَاحِدٌ؟. قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَمَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ القَلْبِ!. فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام
دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ القَوْمِ.
ثُمَّ قَالَ عليه السلام
يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ القَوْلَ فِي أَنَّ الله وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَوَجْهَانِ مِنْهَا: لَا يَجُوزُ عَلى الله عَزَّ وَجَلَّ. وَوَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ.
فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ فَقَوْلُ القَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الأَعْدَادِ، فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الأَعْدَادِ. أَ مَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَجَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ القَائِلِ: هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وَقَوْلُ القَائِلِ: إِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدِيُّ المَعْنَى، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَ جَلَّ) [١].
الْقَهَّارُ ولأنه قهار فهو واحد، إذ لا شيء يتحدى إرادته ويقاوم مشيئته سبحانه. وكما لا يخضع سبحانه لشيء لا يحتم عليه شخص أمرا، فما المسيح بن مريم والعزير إلا عبدان مطيعان له يخضعان لأوامره، ولا يحتمان عليه، وإنه سبحانه قد فرض عليهما عبادته إن لم
[١] بحارالأنوار: ج ٣، ص ٢٠٦.