من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٩ - أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
أنه وحده يمثل القرآن؟. لأن بعضهم أضاف إليه إضافات من أفكاره ومن الثقافات الغريبة عليه فلم يُقِم الدين، ولأن هذه الأفكار والشهوات تختلف من فريق لفريق بل من شخص لآخر دب الخلاف بينهم، بل بدا القرآن نفسه مختلفا للناس. ثم إن التحدي الكبير الذي يعيشه المؤمنون دائما على مر العصور في مواجهتهم لقوى الشرك يدعوهم للوحدة بينهم، لكي لا يجد الأعداء ثغرة للتسلل إلى صفوفهم، والإفساد بينهم من الداخل.
وفي ظروف التحدي تحتاج الأمة إلى المزيد من الاستقامة على طريق الدين وإقامة الدين كله دون أن يختلفوا فيه، والسبب هو أن الشيطان قد يوسوس إليهم بأن يتنازلوا عن بعض بنود الدين لكسب المزيد من الأنصار، بناء على سلم الأولويات أو التدرج في تطبيق الشريعة، وقد يؤدي ذلك إلى الانحراف في الدين، مثلما حصل عند النصارى في التاريخ حيث كانت الديانة المسيحية نقية طاهرة فلما رأى الأحبار قلة المنتمين إليها صمموا على الاقتباس من أفكار الفلسفة القديمة الرائجة يوم ذاك ليؤمن الناس، ومن بين ما أدخلوه عليها بعض الأفكار المقتبسة من الفلسفة المعروفة ب (النيوافلوطينية)، فصارت الديانة التي عليها كثير من النصارى اليوم مشوبة بها.
واليوم نجد الناس يضيفون الثقافة القومية أو الوطنية أو الاشتراكية أو الرأسمالية إلى الفكر الإسلامي، وما هي سوى ألوان من الشرك إذا عرفنا جوهرها المتمثل في التسليم لغير الله.
إذا يجب علينا أن ندعوا إلى الدين الخالص بلا أية إضافة، فإن استجاب الناس وإلا فواجبنا بذل المزيد من الجهد، وبدل أن ننزل ديننا إلى مستوى الناس يجب أن نرفعهم إلى مستواه، وليس علينا بعد الدعوة والتبليغ مسؤولية الهداية، لأن الهداية من عند الله.
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ من رسله، كالذين سبق ذكرهم من أولي العزم الذين فضلهم الله على سائر أنبيائه، وهم نوح شيخ المرسلين الذي قدمه السياق لأنه أول نبي عقد عزمات قلبه على إبلاغ رسالة التوحيد، بتلك الصعوبات المعروفة وعبر (٩٥٠) عاما، وذكر بعده نبينا محمد صلى الله عليه واله لأنه الأعظم من بين أولي العزم، ثم جاء ذكر الأنبياء الثلاثة بالترتيب الزمني إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام.
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ من سائر عباده. ولكي نصل إلى هذا المستوى لابد أن نئد غرور أنفسنا، ونقاوم كبرياءها، ونزكيها تزكية نستطيع من خلالها أن نخرج عن شحها، وحينئذ سوف يجتبينا الله.