من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - ومن يضلل الله فماله من هاد
بقي متصلبا في نصرته للحق، والتزامه ببصيرة الهدى، رغم تضليل الطاغوت، وهكذا ينبغي للمؤمنين في كل الأمكنة والعصور وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ وهم كل جماعة يتحزَّبون على أساس الهوى ضد الحق ومن يمثله، وكمثل لهذه الفئة يشير القرآن إشارة عابرة إلى طوائف منهم ذهبت قصصهم عبرا وأحدوثات في الأمم الغابرة. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ فهؤلاء وإن اختلفوا في تاريخهم وقصصهم وفي عاقبتهم إلا أنهم متشابهون في جحودهم الحق، إذ كذبوا الرسل وخالفوا رسالاتهم، وهذا الربط بين أحداث التاريخ ثم الاهتداء بها إلى سنة الله في الحياة يدل على عمق البصيرة والإيمان عند مؤمن آل فرعون. وبعد أن وجه هذا الداعية العقول إلى عبر التاريخ من خلال أحداثه المأساوية الفظيعة يؤكد على عدالة الله و أن ما يصير إليه البشر نتيجة تفكيرهم وسلوكهم لا نتيجة قدر إلهي ظالم، حاشا لله. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ بل العباد هم الذين يظلمون أنفسهم حينما يخالفون الحق وسنن الحياة.
[٣٢- ٣٣] ثم تابع تحذيره من يوم غضب الله وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ حيث ينادي كل شخص بالآخرين لعلهم ينقذونه من العذاب. وكلمة أَخَافُ التي يقولها المؤمن دليل على شفقته ورأفته بالناس. ثم يبيِّن واقع ذلك اليوم. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ لأن ما يعصم البشر من عذاب الله ونقمته هو الإيمان والعمل الصالح، وليس عندكم من هذا شيء. وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فالهداية مرتبة رفيعة لا يصل إليها كل إنسان، ومن يريد الهداية فإنها لا تحصل بالبحث عن الحق وتزكية النفس وحسب، إنما لا بد من التوسل بالله ودعائه، لأن الهدى الحقيقي لا يكون إلا من عنده وبإرادته، و الدليل على ذلك أنه تعالى حينما يضل أحدا بأن يسلبه توفيق الهداية فلا سبيل بعدها لهدايته.