من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٩ - ومن يضلل الله فماله من هاد
قال محمد بن كعب قال حذيفة اليماني: والله لقد رأينا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله وقام رسول الله صلى الله عليه واله فصلى ما شاء الله من الليل ثم قال
[أَلَا رَجُلٍ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ يَجْعَلُهُ اللهُ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ]
. قال حذيفة: فو الله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع. فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك. قال صلى الله عليه واله
[اذْهَبْ فَجِئْنِي بِخَبَرِ القَوْمِ وَلَا تُحْدِثْنَ شَيْئاً حَتَّى تَرْجِعَ]
. قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل ما يستمسك لهم بناء ولا يثبت لهم نار ولا يطمئن لهم قدر فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله ثم قال: يا معشر قريش لينظر أحدكم من جليسه!. قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني، فقلت: من أنت؟. قال: أنا فلان. قال: ثم عاد أبو سفيان براحلته، فقال: يا معشر قريش والله ما أنتم بدار مقام هلك الخف والحافر وأخلفتنا بنو قريظة وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شي ء ثم عجل فركب راحلته وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها. قال: قلت في نفسي لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئاً فوترت قوسي ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا أريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه واله: [...
وَلَا تُحْدِثْنَ شَيْئاً حَتَّى تَرْجِعَ]
. قال: فحططت القوس ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو يصلي فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته وأرسل علي طائفة من مرطه (يعني الكساء، ولعل الرسول كان يريد أن يخفيه حتى عن المسلمين ليبقى مجهولا في تحركه) فركع وسجد ثم قال صلى الله عليه واله
مَا الخَبَرُ
؟. فأخبرته) [١].
من هذه الرواية التاريخية نعرف مدى أهمية التسلّح بالكتمان في بعض الظروف، والتغلّب على التوجه الشخصي لصالح الحركة الرسالية.
ولا ريب أن الدور الذي مارسه مؤمن آل فرعون (حزقيل) لم يكن بعيدا عن قرار القيادة الرسالية المتمثلة يومئذ في شخص موسى عليه السلام فقد بقي إيمانه طي الكتمان مدة طويلة، كان خلالها حذرا قوي المراوغة، فلم يفتضح أمره أبدا، وكان ثابت العقيدة، راسخ الإيمان، فلم تغيِّر المناصب ولا المغريات من موقفه، وهو مع ذلك لم يَعُدُّ الكتمان هدفا في حركته، إنما عَدَّه وسيلة لهدف، لهذا فجر صراعه مع الطاغوت حيث كانت الظروف مناسبة للإعلان عن موقفه الواقعي، وذلك حينما دافع عن موسى عليه السلام وعارض الطغيان الذي مارسه فرعون ونظامه إلى حد رفض الآراء المعارضة ومواجهتها بالقتل والإرهاب، قائلا: بأن الموقف السليم تجاه
[١] مجمع البيان: ج ٨ ص ٤٤٧، بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ٢٠٦.