من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٠ - ومن يضلل الله فماله من هاد
آراء الآخرين ليس استخدام منطق القوة وإنما استماعها والإصغاء لصاحبها، فإن كانت خاطئة فليس ذلك مما يضر السلطة إذا كانت على الحق، وإن كانت صادقة وسليمة فيجب اتباعها والانتفاع بها، وإلا فإن العاقبة ستكون غير محمودة إذا رفض الإنسان الحق.
وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وهو الذي يتحمل مسؤولية رأيه وموقفه. وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ هكذا تساءل مؤمن آل فرعون: لماذا تقتلون موسى؟ فهو إن كان كاذبا لم نخسر نحن شيئا، وإن يكن صادقا فالأمر خطير بالنسبة لكم؟؟ وكان هذا السؤال كافيا لو انطلق منه فرعون وحاشيته أن يوصلهم إلى الحق، ولكن الشك المنهجي لا ينفع الذين حجبت شهواتهم عقولهم، وأرادوا الإسراف في اللذات ثم تبريرها بالأعذار و الأسباب الكاذبة. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ فقلبه متجه إلى الشهوات كلية. كَذَّابٌ يستخدم لسانه في تبرير شهواته، والخلط بين الحق والباطل وهذه من أخطر المشاكل التي يبتلى بها الإنسان.
[٢٩] ويبين المؤمن السبب الذي جعل فرعون وقومه يكفرون بموسى عليه السلام وهو الخلط بين الحق والقوة، فقد زعموا بأن ما عندهم من قوة ظاهرة تغنيهم عن البحث الجاد من أجل الوصول إلى الحق والالتزام به. يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فأنتم أصحاب القوة المادية والسيطرة الاجتماعية، ولا أحد ينافسكم، ولكن هل تبقى هذه القوة وتستمر؟ ثم إذا حل غضب الله فهو لا يرد.
فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا وبالطبع سوف تكون الإجابة عن هذا السؤال بالنفي (لا أحد). إذن فما قيمة القوى التي لا تمنع عن أصحابها الأذى؟ وكل هذه الأسئلة والتي ستليها يجمعها سياق واحد هو: محاولة المؤمن من خلالها إثارة الشك المنهجي في النفوس وقيادتها للحق. ولعل المؤمن أفلح في إيجاد جبهتين في صف الحاكمين، مما دفع فرعون للتدخل من أجل حسم الخلاف وإنهائه لصالحه. قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ قطع عليهم مسيرة الشك المنهجي والتفكير، قائلا: إنكم لا تحتاجون إلى التفكير، ولا أن تروا شيئا، فأنا أفكر وأرى لكم، ولا أرى إلا الحق ولا أهدي إلا إليه، فيجب عليكم أن تسلموا لي تسليما مطلقا، وهذا هو ديدن الطغاة في كل مكان وزمان، وبالذات في البلاد المحكومة بأنظمة استبدادية جائرة، التي يعتقد حكامها بأن إعلامهم و رأيهم وفكرهم وحده الذي يجب أن تؤمن به الجماهير، ومن هنا نهتدي إلى أن فرعون الذي حاربه موسى لم يكن سوى مظهر من مظاهر الطغيان عبر التاريخ.
[٣٠- ٣١] وإذا كان كلام فرعون هذا قد أخضع ظاهرا من كان حوله، فإن المؤمن