من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٣ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
الخالص.
ثانياً: حين لم يسجد إبليس لآدم عُدَّ مستكبرا، وألحق بالكفار بالرغم من أنه كان يؤمن بالله، ولكن إيمانه لم يبلغ درجة التوحيد إذ إنه كان يؤمن قبلئذ بذاته وبعنصره الناري، فلم ينفعه الإيمان ولا سجداته الطويلة شيئا.
[٧٥] فسأله رب العالمين قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَ وللمفسرين في كلمة بِيَدَيَ تفاسير عديدة أما التفسير الأقرب للسياق- في نظري- أنها القدرة، لأنه سبحانه لا يملك يمينا ولا شمالا. وفي حديث عن الإمام الرضا عليه السلام
(يَعْنِي بُقْدرَتِي وَقُوَّتِي)
[١]. وتعبير اليدين كناية عن تمام القوة والقدرة التي تجلت في خلق آدم فالاستكبار وقع على شيء صنعته القدرة الإلهية. أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ هل كان السبب أنك تكبرت لمجرد الاستكبار ومن دون سبب واقعي، أم أنك فعلا تجد نفسك جديرا بعدم السجود؟ بمعنى أن فرض كونه من العالين ينفي عنه صفة الاستكبار للترديد بينهما. ولما كان من غير العالين فهو مستكبر. أما العالين فهم الأشباح المحدقة بساق العرش. وقال البعض أن معناه: هل استكبرت الآن أم كنت أبداً من العالين.
[٧٦] إن عدم سجود إبليس كان لاستكباره، وإلا فجوهره في واقع الأمر لا يتميز عن آدم فهو مخلوق مثله، ولا يحق للمخلوق أن يرفض أمر الخالق، ولكن إبليس رأى نفسه متميزا، وسبب ذلك أنه اتبع المقاييس الشيئية لا المقاييس القيمية فانتهى إلى أفضلية النار على الطين، واعتز بعنصره وذاته، فرفض السجود لآدم و الطاعة لله سبحانه، وهذا يدل على بطلان القياس عموما، ذلك لأن قيمة أي شيء ليست بذاته بل بما يضفي عليه الرب من قيمة واعتبار، فالصلاة معراج المؤمن لأن الله جعلها كذلك، والحج جهاد الضعفاء لأن الله شرع ذلك، والأنبياء خلفاء الله لأن الله حملهم رسالاته وجعلهم أئمة وهداة.
ولا يعرف تشريع الله إلا من عنده، أما البشر فإنه إذا أراد أن يتشبث بالقياس فسوف يهبط إلى مستوى مقاييسه الشيئية فهذا إبليس برغم علمه وعبادته هوى إلى أسفل السافلين حين ترك قيمة التوحيد إلى الشرك، ومقياس أمر الله إلى مقياس خلق الله، ولم يعرف أن عظمة خلق الله إنما هي بأمر الله، فالنار كنار لا تعدو أن تكون خلقا خلقها الله بأمره، وأركز فيها خصائص وميزات من الحرارة والإضاءة، وإن شاء الله أعدمها أو أعدم حرارتها، كما فعل لإبراهيم عليه السلام، أو أزال ضوءها كنار جهنم، إذن الشيء كشيء لا قيمة له، إنما قيمته باعتبار أمر الله، وهذا هو السبب الجوهري لبطلان القياس في الدين، والحاجة إلى الرسل.
[١] عيون الأخبار: ج ١ ص ١٢٠.