من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢١ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
لديهم من قوة ظاهرية، فيستكبرون على الحق ويشقون عصا الطاعة لله- عز وجل- بينما نجد في مقابلهم أنبياء الله عليهم السلام فهم بالرغم من الدرجة المعنوية التي أعطيت لهم (النبوة) وما أوتي بعضهم من القوة و الملك، إلا أنهم في أعلى درجات التوبة والإنابة إلى ربهم.
وفي نهاية هذه السورة المباركة يبيِّن الله لنا صورة أخرى لهذه المقابلة جرت في الملأ الأعلى، فالعزة بالباطل عند إبليس عليه اللعنة، الذي اعتز بعنصره، ورفض الخضوع لله في قضية آدم من بين كل الملائكة، وبرر ذلك بأنه وهو المخلوق من نار السموم أفضل من آدم الطيني فكيف يسجد له؟ ولكن من قال: إن الأفضلية للطين؟ ثم لو افترضنا ذلك فهل هذا مبرر لمعصية ربِّ العالمين واختيار العاقبة السوء؟ بالطبع كلا .. ولكن إبليس اختار العزة بالباطل متمثلة في العنصرية، ثم راح يغوي الإنسان ويضله ليكون معه في غضب الله وناره.
وفي المشهد الآخر من الصورة نجد ملائكة الله على جلالة قدرهم يخرون ساجدين لآدم تعبدا لله وطاعة وتسليما، ويوصل القرآن بينهم وبين عباد الله المخلصين الذين لم يسمحوا لإبليس أن يغويهم.
ولان سورة محمد صلى الله عليه واله تتشابه وسورة (الصافات) في نفي ألوهية الملائكة والأنبياء، فإنها تنتهي ببيان سجود الملائكة لآدم عليه السلام الذي خلق من طين والذي يتعرض لإغواء إبليس، وكيف يكون إلها من يسجد لغيره أو يتعرض لإغواء الشيطان؟!
بينات من الآيات
[٧١] لما بدا لله تعالى خلق آدم أطلع الملائكة على هذه الإرادة. إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ والخطاب هنا يشمل حتى إبليس، لأنه قد رفع جزاء لعبادته لله إلى مقام الملائكة، فملائكيته التي يشمله (إبليس) بموجبها الأمر بالسجود- اعتبارية لا ذاتية- ويبدو أن متعلق قوله إِذْ قَالَ رَبُّكَ هو قوله في آية سابقة .. إِذْ يَخْتَصِمُونَ.
وبما أن أصل خلق البشر طين فلا يجوز أن يتفاخر الناس على بعضهم، كما لا ينبغي أن يفتخر أحد بنفسه وهل لمن أصله الطين فخر؟! والطين عندنا نحن البشر من أرذل العناصر وأقلها قيمة واعتبارا، والناس جميعا خلقوا من طين فلا يجوز أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله كالسلاطين، ولا أن يصبغ البعض صبغة الألوهية على بعض كما فعل النصارى بابن مريم عليهما السلام.
[٧٢] ولم يطلع ربنا الملائكة على ما بدا له لمجرد إضافة معلومة جديدة إليهم بل ليأمرهم