من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - وقفوهم إنهم مسؤولون
المستضعفين والمستكبرين، التابعين والمتبوعين وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ وهم التابعون .. عَلَى بَعْضٍ وهم المُتَبعَّوُن وأئمة الظلم- حسبما يبدو- .. يَتَسَاءَلُونَ من أجل معرفة المسؤول عن الظلم، وبالتالي عن المصير السيئ الذي صار إليه الجميع.
[٢٨] أما المستضعفون الظالمين لأنفسهم فقد خاطبوا المستكبرين قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِينِ هنا يحاول التابعون رفع المسؤولية عن كاهلهم بعذرين
الأول: قالوا إننا لم نكن نبحث عن الكفر والظلم، ولا نسعى إليهما إنما أنتم الذين حملتم الوزر إلينا، فكنتم تأتوننا ولم نكن نأتيكم.
الثاني: ثم ادعى هؤلاء بقولهم عَنْ الْيَمِينِ أنهم كانوا مجبرين على اتباع الظلمة، ولعل اليمين تشير إلى القوة لا إلى الجهة اليمنى التي تخالف الشمال، وقد استخدم القرآن هذه الكلمة تعبيرا عن القوة، قال تعالى لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٥]. يعني القوة، وإنما استخدمت اليمين للتعبير عن القوة لأن قوة الإنسان تتجلى عادة في يمينه.
[٢٩- ٣٠] وأمام هذا الموقف من المستضعفين ضد المستكبرين يدافع الآخرون عن أنفسهم، وفي دفاعهم بيان للواقع كما هو، كما كان في اتهام أولئك إشارة لأسلوب الطغاة في تضليل الناس. فأئمة الكفر والظلم يرفعون التهمة عن أنفسهم بثلاثة أمور تنطوي على الإشارة لقابلية الانحراف عند الإنسان
الأول قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وحينما لا يكون الإنسان مؤمنا بعقيدة ما، ولا ملتزما بمبدأ ما، إنما يعيش خور العزيمة وضعف الإرادة والفراغ الثقافي والقيادي في ذاته، يكون عرضة للانحراف.
ألف: لأن الطغاة يستخدمون شتى ألوان الضغط عليه حتى يخضعوه لأهوائهم، يرغَّبونه ويمنَّونه ثم يهدَّدونه ويتوعَّدونه ثم يضلوِّنه ويغوونه، فكيف يصمد- من دون الإيمان بالله والثقة بنصره- أمام كل هذا الضغط؟.
باء: يستحيل على البشر بطبيعته أن يعيش الفراغ، فهو إن لم يعتقد بالإسلام مثلا ويصرف ماله وطاقاته من أجله، فإنه سوف يعتقد بمبدأ آخر وسيصرف طاقاته في سبيله، وفي الحديث قال الإمام الباقر عليه السلام
(ومَا مِنْ عَبْدٍ يَبْخَلُ بِنَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا فِيمَا يُرْضِي اللهَ إِلَّا ابْتُلِيَ أَنْ يُنْفِقَ أَضْعَافاً فِيمَا يُسْخِطُ اللهَ)
[١]. أما المؤمن فهو يتحدى
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٥ ص ٢٧٤.