من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢ - وقفوهم إنهم مسؤولون
الناس يوم القيامة الولاية، فهم مسؤولون عن القيادة التي كانوا يتبعونها، والآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، كالطاغوت السياسي والثقافي والاقتصادي، وبالتالي النظام الاجتماعي الذي كانوا يخضعون له.
فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ولعلنا نفهم من قوله تعالى فَاهْدُوهُمْ أن الذين تقدم ذكرهم يحشرون إلى جهنم عميانا عمى ماديا، تجسيدا للعمى المعنوي الذي اختاروه لأنفسهم في الدنيا، وفي ذلك قوله تعالى وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء: ٧٢]. فهم بحاجة إذن إلى من يدلهم على صراط النار، ويهديهم إلى حيث يستقر بهم المصير.
[٢٤] ولكن هل ينتهي كل شيء؟ كلا .. إنما يوقف هؤلاء للحساب، والحساب أبرز تجليات العدالة الإلهية والمسؤولية البشرية، فمن جانب يدخل العصاة الجحيم وهم قانعون بعدالة الله، وأن هذا المصير جاء نتيجة لعملهم لا نتيجة لظلم، ومن جانب آخر يصلون إلى اليقين بالمسؤولية التي أنكروها في الدنيا وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عن أفكارهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وقبل كل ذلك عن إمامهم وخطهم الديني والسياسي العام.
[٢٥] وأول الأسئلة التي توجه إليهم مَا لَكُمْ لا يَتَنَاصَرُونَ فمن عادة الإنسان في الدنيا أنه يقدم على الظلم وعموم الخطيئة اعتمادا على الآخرين، فالشرطي الذي يعتقل المجاهدين يعتمد على مسؤول فرقته، وهذا الآخر بدوره يعتمد على مدير الشرطة، وهكذا دواليك، ويشكل الجميع شيئا واحدا هو جهاز ما يسمى بالأمن أو الحزب الحاكم الذي يعتمد أفراده في الظلم على بعضهم. وهؤلاء تتقطع بهم الأسباب والروابط يوم القيامة، كما تقدمت بذلك الآية الكريمة، وهذه الفكرة لا تنفعنا على صعيد ذلك اليوم وحسب حيث نطلع على مشهد منه، بل يجب علينا في الدنيا- انطلاقا من هذه المعرفة- أن لا نظلم أحدا اعتمادا على أحد.
[٢٦] إن من نعتمد عليهم في ظلمنا لن ينفعونا بشيء في الآخرة، بل لن ينفعوا أنفسهم، إذ سيستسلمون أمام الإرادة الربانية، التي طالما تمردوا عليها بجهلهم في الدنيا، وهذه إشارة إلى حاكمية الرب المباشرة في ذلك اليوم بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ومن لا يستسلم لإرادة الله باختياره فإنه يخضع لها بالرغم منه.
[٢٧] ولأن الظلمة وأعوانهم اعتادوا على حياة التبرير، ولعلها أنقذتهم من الجزاء في بعض المواضع من الحياة الدنيا، فإنهم يحاولون التشبث بها في الآخرة أيضا، طمعا في التنصل من المسؤولية، ومن ثم الهرب من الجزاء والعدالة الإلهية، وأنى لهم ذلك؟
والقرآن يصور تجليا للتلاوم، ومحاولة التبرير، من خلال عرضه الرائع لحوار يدور بين