من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٥ - فاستقيموا إليه واستغفروه
إلى الله تعني مقاومة شهوات النفس، وضغط المجتمع، وسلبيات الماضي، وإرهاب الطغاة، فإن البقاء عليها يشبه المستحيل، ولذا قال ابن عباس عن آية الاستقامة: [مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله آَيةٌ كَانَتْ أَشَدَّ عَلَيهِ وَلَا أَشَقَّ مِنْ هَذهِ الآَيةَ [١] ولِذلِكَ قَالَ صلى الله عليه واله- لِأَصحَابهِ حِيْنَ قَالوا لهُ: أسرعَ إِلَيكَ الشَّيْبَ يَا رَسُولَ اللهِ!-
شَيَّبتنِي هُودٌ]
[٢]. ولذلك أمرنا الله بعد الاستقامة بالاستغفار. وَاسْتَغْفِرُوهُ فكلما دفعتك أعاصير الضغوط ذات اليمين وذات الشمال عد إلى طريقك المستقيم، فإن على أطراف طريق الجنة حفر النيران فلا تسترسل مع الرياح إلى نهايتها المريعة.
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وهم الذين انجرفوا مع رياح الضغط حتى وقعوا في حفر الشرك فلحقهم الويل، ونستوحي من الآية أن من لم يستغفر ربه بعد الانحراف عن خط الاستقامة ينتهي به المطاف إلى الشرك والكفر، كما قال ربنا في آية أخرى ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون [الروم: ١٠].
[٧] وقد يكون الإنسان مشركا دون أن يعرف، لاعتقاد أكثر الناس أن مجرد الشهادة بالتوحيد لفظيا تكفي علامة على الإيمان، بلى، إنه كاف في مجال التعامل الاجتماعي إذ يحسب من المسلمين ظاهرا، وتحل ذبيحته، ويجوز مصاهرته ولكن لا يكفي عند الله الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].
إن الإيمان وقر في القلب، وأثر على السلوك وممارسة للطقوس .. ومن أبرز علائمه الزكاة والإيمان بالآخرة، فمن منع زكاة ماله واعتبره مغرما وارتاب في الآخرة فهو مشرك حتى ولو لهج لسانه بالتوحيد. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي زكاة هذه؟ هل هي النصاب المعروف أم مطلق الإنفاق في سبيل الله؟ يبدو أن الثاني أقرب لكون الآية مكية.
وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ فلولا كفرهم بالآخرة لما منعوا زكاة أموالهم. جاء في الأثر المروي عن الإمام الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه واله أوصى عليا عليه السلام فقال ضمن وصيّته
[يَا عَلِيُّ كَفَرَ بِاللهِ العَظِيمِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَشَرَةٌ وعَدَّ مِنْهُمْ مَانِعَ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ ثَمَانِيَةٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ وعَدَّ مِنْهُمْ مَانِعَ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ مَنْ مَنَعَ قِيرَاطاً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولَا بِمُسْلِمٍ ولَا كَرَامَةَ يَا عَلِيُّ تَارِكُ الزَّكَاةِ يَسْأَلُ اللهَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ][٣].
[١] يعني قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ (هود: ١١٢).
[٢] مجمع البيان: ج ٥ ص ٣٤٢.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٣٤.