من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
أمواج البحر فتبتلع سفننا، وإلى جانب هذه القدرة الإلهية توجد في الطرف الآخر الأسباب والمقومات لإنزال النقمة، وهي ذنوبنا التي نكتسبها كل يوم .. أَوْ يُوبِقْهُنَ يغرقها، ويهلك من فيها .. بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ برحمته ولطفه، لذلك ينبغي المبادرة إلى الاستغفار ليل نهار حتى نأمن من سطوات الرب الجبار، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام
[تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ سَطَوَاتِ الله بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ.
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ومَا سَطَوَاتُ الله؟ قَالَ عليه السلام
الأَخْذُ عَلَى المَعَاصِي] [١].
[٣٥] ولا بد أن يعلم أولئك الذين يكذبون بآيات الله، ويتشبثون بثقافة الجدال والتبرير من أجل ردها والتهرب من مسؤولية الإيمان بها، أنهم محاطون بعلم الله وقدرته، ومن ثم فإن جدالهم فيها لن يرفع عنهم المسؤولية .. وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي مهرب ومفزع من الله. قالوا: إن نصب وَيَعْلَمَ جاء لأنه عطف على تعليل محذوف، وكأنه قال: ينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون.
[٣٦] وكخاتمة لهذا الدرس الذي يحدثنا عن دور الحرص في الصراعات الاجتماعية كفكرة أساسية، يصغر القرآن الدنيا ويهونها في أعيننا وأنفسنا، لكي لا تكون من المنزلة عندنا بمكان تثيرنا نحو الصراع والبغي على بعضنا. فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مهما كان حجمه وقدره فإنه لا يعدو كونه بسيطا وضئيلا نسبة إلى متعة الآخرة ونعيمها .. وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وأفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا من ناحيتين: فهو أفضل في كيفيته، وأدوم في بقائه و متعة الإنسان به.
ولعل خاتمة الآية تهدينا إلى أن التوكل على الله هي الصفة المقابلة للحرص على الدنيا، وإنما لا يتسامى القلب عن الانجذاب إلى الدنيا لضعفه، الذي ينجبر بالتوكل على الله سبحانه.
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢١٩.