من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٤ - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
وبهذه الرؤية العميقة والواقعية للحياة يتقدم الإسلام خطوة على المادية، وخطوتين على القدرية، فالقدرية تعتقد بانعدام العلاقة بين سعي الإنسان وواقعه، منكرة بذلك عقلائية الأنظمة الحاكمة على الكائنات، أما المادية العمياء فتعتقد بأن نظام الكون عقلائي، ولكنها لا تعترف إلا بالعلاقات الظاهرة في هذا النظام، منكرة العلاقات الخفية التي يكشفها الغيب. بينما الإسلام بواقعيته يؤمن بعلاقة أكيدة بين سعي الإنسان وواقعه، مرة عن طريق العوامل المادية الظاهرة، وأخرى عن طريق العوامل الغيبية، وذلك انطلاقا من الاعتقاد بأن كل ما يجري على الإنسان، بل كل ما يجري في الحياة، إنما هو بعلم الله وبإذنه، وهو لا يمنع أو يأذن إلا بحكمة بالغة يعلمها عز وجل، وهو القائل إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١].
وتؤكد آيات القرآن هذه الحقيقة ببيان هيمنة الله على نظام الكون، فالسحب التي تجمعها الأقدار، والمطر الذي يهطل على الأرض الجرداء فيبعث فيها الحياة من بعد ما يقنط الإنسان، كل ذلك لا يصير عبثا، إنما بحكمة إلهية دقيقة، فإذا قل الصدق بين الناس وتضاءل تعاطفهم على بعضهم، وإذا ساد الظلم والضلالة، وإذا كثرت الذنوب والفواحش، بعدت رحمة الله المتمثلة في الغيث، كما أن لنجاة أصحاب السفينة التي تمخر عباب البحر أو غرقهم علاقة بركابها، فإذا كانوا أهل صلاح وسعي، ساقتهم الريح الطيبة إلى سبل السلام، أما إذا كانوا ظالمي أنفسهم وقد انتهى أجلهم ابتلعتهم العواصف الهوج.
هكذا يبيِّن ربنا العلاقة بين واقع الإنسان وعمله فيقول وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أيا كان نوع هذه المصيبة وطبيعتها. وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ولو لم يكن الله رحيما بعباده لانتهت بهم أعمالهم إلى الهلاك، لأنهم يكسبون كل يوم ما يستوجب غضبه سبحانه. جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
[أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِرْقٍ يَضْرِبُ ولَا نَكْبَةٍ ولَا صُدَاعٍ ولَا مَرَضٍ إِلَّا بِذَنْبٍ]
[١]. وجاء في حديث آخر عنه عليه السلام: [إ
نَّ الذَّنْبَ يَحْرِمُ العَبْدَ الرِّزْقَ]
[٢]. وجاء في رواية مأثورة عن أبي الحسن عليه السلام
[حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعْصَى فِي دَارٍ إِلَّا أَضْحَاهَا لِلشَّمْسِ حَتَّى تُطَهِّرَهَا]
[٣]. فلكي لا تصيبك ألوان العذاب تجنب الذنوب، هكذا أوصانا أمير المؤمنين عليه السلام حين قال
[تَوَقُّوا الذُّنُوبَ، فَمَا مِنْ بَلِيَّةٍ وَلَا نَقْصِ رِزْقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ حَتَّى الخَدْشَ وَالكَبْوَةَ وَالمُصِيبَة
، ثم قرأ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٦٩.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٧١.
[٣] المصدر السابق: ص ٢٧٢.