من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
نفس الإنسان قبل ترويضها بالقيم السامية جموحة، وقد كبح الله جماحها بالحاجة إلى الرزق، ولولاها لدفعها البغي إلى الفساد والشقاء، كما نجدها تطغى حين تشعر بالاستغناء، حتى وإن كان هذا خاطئا، حسب ما قال ربنا كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦- ٧].
وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ومن أخبر من الله بعباده، الذين خلقهم حسبما شاء، وأركز في وجودهم الغرائز كيفما أراد، وهيمنته العلمية بالغة فهم على عينه وبصره سبحانه. وكل فرد يجري له الرب الرزق بقدر لا يدعوه إلى الطغيان، وقد جاء عن أنس عن النبي صلى الله عليه واله عن جبرائيل عن الله جل ذكره
[وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ المُؤْمِنينَ لمَنَ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُه إلَّا بِالفَقْرِ وَلَو أَغْنَيتُهُ لأَفَسْدَهُ ذّلِكَ وإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ المُؤمِنِينَ لمَنَ لَا يَصْلُحُ إِيَمانُهُ إِلَّا بِالغِنَى وَلَوُ أَفْقَرتُهُ لأَفَسْدَهُ ذَلِكَ وإنَّ مِنْ عِبَادِيَ المَؤُمِنينَ لمِنَ لَا يَصْلُحُ إِيَمانُه إِلَا بِالسُّقْمِ وَلَو صحَّحْتُ جِسَمَهُ لأَفَسْدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عَبادِيَ المؤُمِنِينَ لمِنَ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُه إِلَّا بِالصَحِّةِ وَلَو أَسْقَمْتُهُ لأَفْسْدَهُ ذَلِكَ إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِيَ بِعَلمِي بِقُلُوبِهِم فَإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [١].
وعن الإمام الحسن عليه السلام قال
[أَرْزَاقُ الخَلَائِقِ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَنْزِلُ بِقَدَرٍ وَتُبْسَطُ بِقَدَر]
[٢]. وقال الإمام الصادق عليه السلام: [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ
لَو فَعَل
[أيْ بَسَطَ رِزقَهُ]
لَفَعَلُوا
(أَيْ لَبغَوُا فِي الأَرْضِ)
وَلَكنْ جَعَلَهُم مُحْتَاجِينَ بَعْضُهُم إِلىَ بَعْضُ وَاسْتَعْبَدَهُم بِذَلِكَ وَلوَ جَعَلَهُم كُلَّهُم أَغَنْيَاءَ لَبَغوُا فِي الأرْضِ
وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ
مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصْلِحُهُم فِي دِينِهِم وَدُنيَاهُم
إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] [٣].
[٢٨] ومظهر آخر لحكمة الله في تدبير الحياة، الغيث الذي يمنعه عن العباد أو يرسله إليهم حسب حاجتهم واستحقاقهم واستيعابهم، فبعد أن يجتاحهم القنوط، وتكبح صفة الكبر من أنفسهم، و تمنع عنه صفة الطغيان، لأنهم لم يقدروا على تحصيل الماء بطريقة أخرى، بعدئذ يرسل الغيث، وينشر عليهم رحمته من خلال الغيث .. وهذه آية من آيات الهيمنة والحكمة. وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وختم اليأس على أفئدة الناس جميعا. وهنا تتجلى بوضوح بلاغة القرآن حيث تتوازى فيه كلمة الغيث التي تعني في ما تعني الإغاثة مع كلمة القنوط الذي تثيره شدة الحاجة. وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُ الحاكم المطلق الذي يتولى تدبير الخلق .. الْحَمِيدُ لا يفعل إلا الفعل المحمود، وإنما ينشر الرحمة بعد القنوط لكي ينبه الناس من غفلتهم وضلالهم، ولو أنهم عرفوا رحمة الله- وهو وليهم- بهم، وحكمته البالغة في تدبيره
[١] التوحيد: ص ٣٩٨.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٧١، بحار الأنوار: ج ١٠، ص ١٣٤.
[٣] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٧٦.