من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٣ - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
لشؤون الخلق، لاكتشفوا أسباب انقطاع الغيث عنهم التي قد تكون بسبب ذنوبهم، بل ولعرفوا أيضا حكمة عودته إليهم ليعرفوا قدر ربهم فيعبدونه لا يشركون به شيئا.
[٢٩] وليست هذه الآية الوحيدة التي تهدينا إلى الله، وإنما هي آية من بين الآيات التي لا تعد ولا تحصى .. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ على سعتهما، ومتانتهما، وعظمة خلقهما .. وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ كالطيور والحيوانات ومختلف الأحياء المتناثرة هنا وهناك. وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء لأن له مطلق الإرادة، وإن الاختلاف في طبائعها وشرائع حياتها و انتشارها في الكون لا يدل أبدا على تحررها من إرادة الله، وخروجها عن المنهج الذي عينه الله لها، أو السنن التي تحكم الخليقة، فمتى ما شاء ربنا جمعهم في صف واحد للحساب.
[٣٠] ويؤكد على الصلة بين سعي الإنسان وواقعه مرتين، مرة عن طريق العوامل المادية الظاهرة التي تربط بين السعي والنتيجة، فهو إذا سعى وناضل وصل إلى أهدافه، فالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف، كل ذلك رهين سعيه في السبيل القويم الذي جعله الله .. وهذا ما يؤكده القرآن في آيات عديدة كقوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]، و قوله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة: ٧- ٨].
ومرة عبرة العوامل الغيبية غير الظاهرة، حيث يؤكد الإسلام أن أي عمل يقوم به الإنسان ينعكس على واقعه شاء أم أبى، وليس بالضرورة أن يكتشف البشر كيفية ذلك، بل كثيرا ما تكون العلاقة بين العمل والعاقبة غير معروفة ومثيرة للتساؤلات، فما هي العلاقة بن صلة الرحم وطول العمر، وبين انتشار الزنا وانتشار موت الفجأة، وبين انحراف قوم لوط والصاعقة التي دمرتهم، وبين يقظة الإنسان بين الطلوعين وبين سعة رزقه، وبين قيام الليل وطول العمر، وبين الصدقة ودفع البلاء، وبين الزكاة والنماء الاقتصادي، وبين الصدق والأمانة وبين العزة في المجتمع؟!.
كل هذه العلاقات قد تبقى مجهولة لدى الإنسان، ولكنها حقائق واقعة في الحياة عرفناها أو جهلنا بها. من هنا بدل أن يدفعنا الحرص إلى الصراعات الاجتماعية دعنا نطبق المناهج الإلهية فهي كفيلة بتحقيق طموحاتنا المشروعة، سواء عرفنا حكمتها وبالتالي علاقتها بتلك الطموحات أم لم نعرف، لأننا لا بد أن نعترف بعجزنا عن الإحاطة علما بدين الله، أليس دين الله آية علمه، فهل يزعم أحد بأن يبلغ بعلمه مستوى علم ربه؟ ومن هنا جاء في الحديث
[إِنَّ دِينَ الله لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ النَّاقِصَةِ][١].
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٧، ص ٢٦٢.