من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - إنا كذلك نجزي المحسنين
ناداه؟
قال بعض المفسرين: أنه أراد هلاك قومه حينما عصوه، واستدلوا بقوله تعالى عن لسانه عليه السلام رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦]. وقال آخرون: أنه أراد من الله أن ينقذه من الكفار بعد سنين من الدعوة والأذى الذي يلحقه بسببها. وربما تفسر الآية بأنه عليه السلام أراد من ربه الهداية وتشريفه بالرسالة لإنقاذ الناس، فربما كان الأنبياء عليهم السلام يعرفون بأنهم سوف يبعثون، ولكن لا يتنافى ذلك مع عدم معرفتهم متى سيكون بعثهم، ولهذا نجدهم في البدء يتعجبون أو يخافون، فلم يكن النداء الذي انبعث من جانب الطور الأيمن أمرا عاديا بالنسبة لموسى عليه السلام، وكذلك نبينا الأكرم صلى الله عليه واله، حينما نزل عليه جبرائيل بالرسالة أول مرة، ذهب إلى البيت وتدثر.
وحينما يدعو الأنبياء ربهم بالهداية والبعثة، يستجيب لهم وقد هيؤوا أنفسهم لتحمل مسؤوليات هذا العمل العظيم، والله سبحانه أعطى نوحا عليه السلام أكثر مما كان يتوقعه وربما هذا معنى قوله فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.
[٧٦] وبعد أن استجاب الله لنوح بالرسالة وأيَّده على قومه المنكرين بالطوفان الذي علا الأرض حتى غمر الجبال العالية، أنجى نوحا والذين آمنوا معه. وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ.
[٧٧] وربما أسمى الله الغرق بالكرب العظيم لأنه من أفظع صور الموت للإنسان فكيف وهو مقدمة لعذاب النار الخالد؟، وتركيز القرآن على أهل نوح عليه السلام عند التعرض لقصصه، لأن الله حفظ بهم النوع البشري عن الانقراض، وأهم من ذلك جعل فيهم النبوة، والكتاب وهما الحبل الممتد بين الناس وربهم. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ.
قال الإمام الباقر عليه السلام في تفسيرها
(الحَقُّ وَالنُّبُوَّةُ وَالكِتَابُ وَالإِيمَانُ فِي عَقِبِهِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ فِي الأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ وُلْدِ نُوحٍ، قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ
احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠].
وَقَالَ أَيْضاً
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء: ٣]) [١]. ومضى نوح وبقي ذكره الطيب تتوالى الأجيال بالسلام عليه.
[٧٨- ٧٩] وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ وكان من الممكن أن تجعل صيغة الكلمة: وتركنا عليه سلاما. إلا إن الصيغة طورت لتكون كلمة السلام تامة حتى يجري على لسان كل قارئ للقرآن سلام خاص لنوح عليه السلام.
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣١٠.