من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - إنا كذلك نجزي المحسنين
بينات من الآيات
[٧١] بعد أن يُبيَّن القرآن في الآيتين الأخيرتين من الدرس السابق دور الضغط من قبل الآباء في حياة الأجيال، يبين لنا هنا أن هذه مشكلة البشر منذ القديم. وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ بذات العامل، وهو الاتباع الخاطئ للآباء.
[٧٢] ولكن الله بعث لهم الأنبياء والمرسلين، يحذرهم من عاقبة الضلال بإنذار، لعلهم يهتدون للحق. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ.
[٧٣] لكنهم كذبوا النذر، وحاربوا الأنبياء، فدمرهم الله، وأبقى آثارهم وأخبارهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ وهذه مسؤولية الإنسان في إقبال التأريخ، أن يستفيد منه لحياته ومستقبله، وحين يدعو الله نبيه للنظر فيه، فإن وعي التأريخ يعطي الرساليين ثقة بأنفسهم وخطهم، وبصيرة في التحرك. وبالتدبر في هذه الآيات والآية التي تليها يمكننا القول بأن القرآن يختصر الدورات الحضارية في هذا المقطع.
[٧٤] إن الله ليس يهب الجنة للمخلصين وحسب، بل وينصرهم في الدنيا وينجيهم من الهلكات. إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ونستوحي من الآية: أن الذين ينجون من أنواع العذاب الإلهي والنقمات، هم المخلصون وحسب، حتى جاء في الأحاديث أن الصواعق لا تصيب المؤمنين الذاكرين، ومعنى ذلك أننا لو قسمنا الناس إلى ثلاثة: الكفار، والمخلصين، وآخرين بينهم، فإن المخلصين وحدهم الناجون، أما الكفار فيخلدون في النار، و الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا يعذبون كل حسب عمله.
[٧٥] وكمثال على نجاة المخلصين يذكرنا الله بنبيه نوح عليه السلام، والذي آمنوا معه، فقد دعا نوح ربه على قومه فأرسل عليهم الطوفان، فما نجا منه غير نوح ومن آمن معه وركب السفينة، ممن أدخلهم القرآن مع أهله في مقابل إخراجه كنعان منهم، ليهدينا إلى أن النسب الحقيقي بين الإنسان والآخرين هو تجانس القيم والعمل في الحياة بينه وبينهم، أما الاعتبارات الأخرى فهي غير سليمة. قال أبو عبد الله عليه السلام
(إنَّ اللهَ قَالَ لِنُوحٍ
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦].
لأَنَّهُ كَانَ مُخَالِفاً لَهُ وَجَعَلَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ)
[١]. و يبدأ القرآن بذكر نوح عليه السلام لأنه كما يسميه المؤرخون الأب الثاني للبشرية بعد آدم عليه السلام.
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ولكن ماذا أراد نوح عليه السلام من ربه عز وجل حين
[١] تفسير العياشي: ج ٢ ص ١٥١.