من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
بد من السير في الأرض وقراءة تلك الآثار.* أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ يعني قوة أبدانهم أو عموم أسباب القوة التي اجتمعت عندهم بحيث استطاعوا إعمار الأرض ماديا بما لم يصل إلى مستواه الأقوام الذين يعنيهم القرآن بخطابهم. إلا أن هذه القوة وتلك الآثار لم تكن قائمة على أساس صالح ينميها ويحافظ على كيانها، إنما كانت القوة تزيدهم غرورا، والإعمار يزيدهم كفرا وفسادا، مما دعاهم للإسراف في المعصية اعتمادا عليهما. فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ ولكن ليس بظلم وإنما بالحق. بذُنُوبِهِمْ ولم يكن ثمة أحد ينقذهم من عذاب الله وأخذه. وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ فلم تنفعهم قوتهم وقدراتهم شيئا عند العذاب ولا أولئك الشركاء الذين اعتقدوا بهم، إن الواقي الوحيد هو عمل الإنسان الصالح الذي لم يتزودوا منه بالرغم من وصية ربهم حين قال لنا وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧].
[٢٢] ويبيِّن القرآن السبب في هلاكهم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ والرسل إنما بعثهم الله ليستنقذوهم من الذنوب وما تنتهي إليه من العذاب، ولكنهم رفضوهم وتمسكوا بقيادة الطواغيت، ورفضوا رسالاتهم وتمسكوا بالعقائد والأفكار المنحرفة، فما بقيت ضمانة لهم تمنع عنهم العذاب. فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ وإذ يصف الله نفسه هنا بالقوة وشدة العقاب فلكي يبيِّن لنا نوع العذاب الذي حل بهم، ببيان صفات مُنْزِلَهُ عليهم، ولكي يبيِّن لنا من جانب آخر أنه لم ولن يقدر أحد على منع العذاب عن الظالمين والكافرين حين ينزل بساحتهم.
[٢٣] وكشاهد على تكذيب الأقوام تضرب الآيات لنا مثلا من واقع موسى عليه السلام مع قومه الذين كذبوا برسالته. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ولعل الآيات هي التوراة، وأما السلطان المبين فلعلها المعاجز التي أظهرها الله على يد نبيه عليه السلام كالعصا واليد البيضاء.
[٢٤] وقد جاء موسى عليه السلام لتغيير الواقع المنحرف، ومقاومة الفساد المتمثل في الطاغوت وأعوانه، وكل من يجسد ذلك الواقع إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وهؤلاء هم نماذج مختلفة، كل واحد منهم يمثل جانبا من الفساد، فرعون يجسد الطاغوت الحاكم، وهامان يمثل الجهاز الإداري له، بينما يمثل قارون بماله الرأسمالية التي تمتص خيرات الشعوب، وقد جاء موسى عليه السلام لتصفية هذه الأجهزة الثلاثة. فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ وواجهوا بهذا المنطق الباطل الحجج الظاهرة والبينات فكان عاقبتهم الدمار كما تفصله الآيات التالية.