من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢١ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
الروابط والعلاقات. وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ والشفيع هو الوسيط الذي يعرف الشخص ويقضي حاجته عند الآخرين، وقد تعود الظالمون في الدنيا على التوسل بالشفعاء في بلوغ مآربهم وحل مشاكلهم، ولكنهم في الآخرة لا يجدون إلى الشفعاء سبيلا، لأن الذين اعتمدوا عليهم من أئمة الظلم هم بدورهم يريدون من يشفع لهم، ولو افترضنا أن أحدا صالحا أو طالحا تحمَّل هذه المسؤولية وحاول الشفاعة للظلمة فإنه لا ينفعهم شيئا، إذ لا تُعَدُّ الشفاعة عند الله للظلمة إنما تنفع من تكون مسيرتهم العامة في الحياة سليمة، فتأتي الشفاعة لترفع عنهم تبعات الذنوب الجزئية. فقد روي عن الإمام موسى بن جعفرعليه السلام أنه قال
[مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَرْتَكِبُ ذَنْباً إِلَّا سَاءَهُ ذَلِكَ وَنَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله كَفَى بِالنَّدَمِ تَوْبَةً وَقَالَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَةٌ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ فَهُوَ مُؤْمِنٌ فَمَنْ لَمْ يَنْدَمْ عَلَى ذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَمْ تَجِبْ لَهُ الشَّفَاعَةُ وَكَانَ ظَالِماً وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ] [١].
هكذا نعرف أن الشفاعة إنما هي للتائبين الذين تسوؤهم سيئاتهم فيندمون عليها، وكفى بالندم توبة. وحيث أكد ربنا على أن الشفاعة لا تنفع الظالمين، لأنهم إنما اعتقدوا بالشركاء وبشفاعتهم ليتهربوا من المسؤولية، فأراد الله بذلك تأكيد المسؤولية عليهم، ونفي هذه الذريعة التي يتوسل بها البعض لاجتراح الجرائم.
[١٩] ويمضي السياق مؤكدا مسؤولية البشر بأنه تعالى يحصي عليه كل شيء، ولا تفوته من تصرفاته صغيرة ولا كبيرة، ويكفي بهذا وازعا إياه عن المعصية، ودافعا نحو تحمل المسؤولية. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ حيث ينظر الإنسان إلى ما حرم عليه أو أن يستخدم نظره في غير أهدافه، كالتجسس على الناس وحسدهم، والنظر إلى أعراضهم وعموم عوراتهم وأسرارهم. وفي الحديث قال الراوي: سألت أبا عبد الله عن قوله عز وجل يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ فقال
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ وَكَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَذَلِكَ خَائِنَةُ الأَعْيُن) [٢].
و جاء في تفسير هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه واله حينما فتح الله له مكة المشرفة أهدر دم بعض المشركين، و كان بينهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فجاء إليه عثمان يستأمنه منه، فسكت النبي طويلا ليقتله بعض المؤمنين، ثم أمَّنه بعد تردد المسألة من عثمان، وقال: أما كان منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا يقتله؟! فقال عباد بن بشر: يا رسول الله إن عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومي فأقتله، فقال صلى الله عليه واله
[إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَا تَكُونُ لَهُمْ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ]
[٣]. بلى، قد تفوت نظرات
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٣٥١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤ ص ٨٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ١٨٩.