من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦١ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
ثانياً: قد يدعو الإنسان بما يضره فيرحمه الله بعدم استجابته، ويبدله بما هو خير له.
ثالثاً: بعض الدعاء يستدعي تغيير سنن الله التي لا تتبدل، كأن يدعو المرء توقف الأرض عن الحركة أو ألا يموت أبدا أو أن ينتهي الصراع القائم بين الناس أو تتهاوى صروح الظالمين بلا جهاد وتضحيات، فإذا لم يستجب له يصيبه اليأس.
رابعاً: أن تأخير الاستجابة لا يعني التعرض للقنوط إذ إن الله قد جعل لكل شيء قدرا.
ولعل الله سبحانه قد أمر له بالاستجابة ولكن وفق سننه الجارية مما يحتاج إلى بعض الوقت، وجاء في رائعة دعاء الافتتاح ما يهدينا إلى حكمة التباطؤ في الاستجابة
[مُدِلًّا عَلَيْكَ فِيمَا قَصَدْتُ بِهِ إِلَيْكَ فَإِنْ أَبْطَأَ عَنِّي عَتَبْتُ بِجَهْلِي عَلَيْكَ ولَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الأُمُورِ فَلَمْ أَرَ مَوْلًى كَرِيماً أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يَا رَبِ] [١].
[٦١] حين تأوي الخلائق إلى مساكنها عند هبوط الظلام، وتستريح إلى السكون والهدوء، وتعيش خلايا الجسم والأنسجة في سبات بعيدا عن آثار أشعة الشمس، تتجلى نعمة الليل التي جعلها الله سكنا، فلولاه لما تجلت نعمة النهار للإنسان حين تستيقظ الطبيعة، نباتها وأحياؤها، وتلبس الكائنات حلة الضياء حتى لكأن بعضها يبصر بعضا، إذ سبات الليل وسكونه يمهد لنشاط النهار وحركته وضيائه. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إنه الله الذي قدر الليل والنهار بهذه الدقة المتناهية، فلولا حركة الأرض حول نفسها في مواجهة الشمس لما تعاقب الليل والنهار، ولو دارت بسرعة أكبر مما عليها لتناثر ما عليها وتفككت و أصبحت كهشيم يذرى في الفضاء الأرحب، ولو دارت حول نفسها أبطأ مما عليها الآن لانعدمت الحياة بالبرد الشديد حينا وبالحر الشديد حينا، فسبحان الذي قدر الليل والنهار وما أعجب حال الذي يستريح في كنف الليل ويتقلب في كف النهار ثم يتكبر على ربه؟!
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ إنهم لا يتذكرون عظيم نعم الله عليهم ليل نهار، وأنه لا حق لهم فيها، إنما هي فضل من الله عليهم ومنة، وحق عليهم أن يشكروا ربهم الذي من عليهم بهذا الفضل، وأوفى الشكر أن يعرفوا بأنه هو المنعم، فتخشع قلوبهم لذكره، ثم تسعى جوارحهم إلى أوطان تعبده.
[٦٢] انظر إلى ما حولك من الكائنات. أولا ترى في كل شيء آثار قدرة الله، ولطيف صنعه، و واسع علمه وخبره، وبالغ حكمته، وحسن تدبيره؟ بلى؛ كل شيء يسبح بحمد ربنا
[١] البلد الأمين: ص ١٩٣، من دعاء الافتتاح.