من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٤ - وقيل الحمد لله رب العالمين
التفاعل بين أبناء المجتمع، فالناس إنما يساقون إلى النار والجنة وفق أعمالهم وانتماءاتهم وهذا المقياس أساسي في حياة الإنسان، فهو إذا أراد أن يعرف نفسه، أو أراد الآخرون أن يعرفوه، فما عليه وعليهم إلا معرفة الذين ينتمي إليهم اجتماعيًّا وعمليًّا، فإن كانوا صالحين كان منهم، وإن كانوا منحرفين فهو كذلك أيضاً.
والأحاديث المروية تؤكد بأن معرفة الرجال تتم بمعرفة الذين يحيطون بهم، فمعرفة القائد بحاشيته، والشاب بأصدقائه، والنظام بالعاملين فيه، والدولة بالذين يؤيدونها من طبقات المجتمع.
قال سليمان عليه السلام
(لَا تَحْكُمُوا عَلَى رَجُلٍ بِشَيْ ءٍ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ يُصَاحِبُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشْكَالِهِ وأَقْرَانِهِ ويُنْسَبُ إِلَى أَصْحَابِهِ وأَخْدَانِهِ)
[١]. وقال الإمام علي عليه السلام وهو يوصي ولده الحسين عليه السلام
(قَارِنْ أَهْلَ الخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ وبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ)
[٢]. فالحياة إذن ليست أحادية ولا متناثرة، وإنما تسير كتلا وأجناسا (زمرا زمرا) وإذا لم تعرف شخصا بذاته فإنك تستطيع معرفته بالزمرة التي ينتمي إليها، وهذه الحقيقة يؤكدها القرآن في مواضع كثيرة منه، وبصيغ مختلفة كمخاطبته الناس بصورة التجمعات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في صفة المؤمنين، وَالَّذِينَ كَفَرُوا في صفة الكافرين، وهكذا المنافقين والمنافقات، والصابرين والصابرات ... الخ.
بينات من الآيات
[٧١] وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً أي جماعات على أساس تجانس أعمالهم يسوقهم ملائكة العذاب. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وأبواب جهنم هي سبعة، حسب الروايات، السبعة يدخل كل جماعة من باب، وقد يكون معنى الأبواب العذاب الذي يتضمنه كل قسم من جهنم، وفي الخصال عن الصادق عن جده عليهما السلام
(إِنَّ لِلنَّارِ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَقَارُونُ وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ المُشْرِكُونَ وَالكُفَّارُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَبَابٌ تَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو أُمَيَّةَ وَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً لَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ وَهُوَ بَابُ لَظَى وَهُوَ بَابُ سَقَرَ وَهُوَ بَابُ الهَاوِيَةِ تَهْوِي بِهِمْ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَكُلَّمَا هَوَى بِهِمْ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَارَ بِهِمْ فَوْرَةً قَذَفَ بِهِمْ فِي أَعْلَاهَا سَبْعِينَ خَرِيفاً ثُمَّ هَوَى بِهِمْ كَذَلِكَ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَلَا يَزَالُونَ هَكَذَا أَبَداً خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ وَبَابٌ يَدْخُلُ فِيهِ مُبْغِضُونَا وَمُحَارِبُونَا وَخَاذِلُونَا وَإِنَّهُ لَأَعْظَمُ الأَبْوَابِ وَأَشَدُّهَا
[١] بحار الأنوار: ج ٧١ ص ١٨٨.
[٢] نهج البلاغة: من وصيته عليه السلام لولده الحسن عليه السلام.