من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
كالفلسفة التي تعتقد بالثنائية الجنسية .. الخ، وقد تسربت هذه الفلسفة المنحرفة إلى كثير من كتب الديانات ولكن هذه الآيات وأخرى كثيرة تلتقي معها في الموضوع تبين أن إبليس كان حرا في إطار قضاء الله وقدره، فهو غير قادر على مقاومة الإرادة الإلهية إذا أراد الله ذلك، لكنها من جانب آخر تؤكد بأنه تعالى لم يجبره على المعصية والانحراف، بل أعطاه المهلة وحاوره في الأمر إقامة للحجة لعله يهتدي للحق سبيلا.
[٧٧] فلما رفض وأصر على معصيته واعتزازه الباطل بعنصره، طرده الله من رحمته، واسترد منه الاعتبار الذي وهبه له من قبل. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ والرجيم هو المطرود الذي لا أمل في رجعته، وربما لو كان ثمة احتمال لعودة إبليس للحق لما أخرجه الله من رحمته، وأمهله أكثر مما أمهله.
وفي القرآن آية تشير إلى الحكمة الإلهية التي مر ذكرها، يقول تعالى في معرض حديثه عن عصيانه إبليس وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. والآية تشير إلى أنه كان جنيا ولكنه استطاع الوصول إلى مقام الملائكة، وذلك بعبادته وسعيه- كما في الروايات- ثم تشير إلى ترديه ومسيرته التنازلية وأن سببها المعصية لله، وتأكيد الآية على كونه من الجن يهدف تأكيد حريته واختياره، وكيف أنه علا إلى مقام الملائكة بعمله ثم أهبط بسوء اختياره.
وهذه الآية من سورة (ص) والتي تليها تبينان جانبا من العقوبات التي فرضها الله على إبليس وهي
أولًا: سحب المزايا والاعتبارات التي حصل عليها بعبادته كدخوله الجنة، واعتباره من الملائكة، و شمول رحمة الله الخاصة له.
ثانياً: رجمه من قبل الله، والرجم هو الطرد الذي لا سبيل للعودة بعده- كما مر آنفا- فهو مبعد عن سائر الخلق، ومعنى ذلك أنهم لا يتفاعلون معه، وهذه حقيقة علمية يشرحها القرآن بعبارات بسيطة جدا، يفهمها حتى الطفل المميز، لأن هدف الآيات هو هداية الإنسان إلى الحق التي لا تتحقق بالعبارات الغليظة المعقدة التي لو استخدمها في القرآن لكان لطبقة معينة، وهذه الحقيقة العلمية تتمثل في أن عالم المخلوقات يتفاعل مع الحق ويتعاون معه، أما الشر والباطل فهو شذوذ وشقاق عن مسيرته، وحيث طرد إبليس- وهو رمز الشرك- بالرجم فإنه لا يكون معه ما في السماء والأرض وما بينهما. إن الأصل في الخلائق الخير لا الشر، والذي يطيع إبليس فإنما يطيع عنصرا ضعيفا، والقرآن يصرِّح بهذه الحقيقة عندما يقول الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي