من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
قَالَ وهو يبرر موقفه المنحرف. أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فهو يرى أنه أفضل من آدم عليه السلام لا بالعمل الصالح والطاعة والعبادة المخلصة بل بعنصره الناري. خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ إن المهم في الخلقة ليس المخلوق بذاته، بل ما يعطيه الخالق له من قيمة ومنزلة، ومادام الرب واحدا فإن قيمة المخلوقين من الناحية الجوهرية واحدة، وإنما يتفاضلون بما يحدده الرب من مقاييس للتفاضل، و ليس ثمة قيمة عند الله لأحد بذاته، إنما تقواه وعمله الصالح.
جاء في نهج البلاغة: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ العِزَّ والكِبْرِيَاءَ واخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ وجَعَلَهُمَا حِمًى وحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ واصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ وجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ لِيَمِيزَ المُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وهُوَ العَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ ومَحْجُوبَاتِ الغُيُوبِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ اعْتَرَضَتْهُ الحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ المُتَعَصِّبِينَ وسَلَفُ المُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ العَصَبِيَّةِ ونَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الجَبْرِيَّةِ وادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ أَ لَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ ووَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً وأَعَدَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ سَعِيراً ولَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ ويَبْهَرُ العُقُولَ رُوَاؤُهُ وطِيبٍ يَأْخُذُ الأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ ولَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الأَعْنَاقُ خَاضِعَةً ولَخَفَّتِ البَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلَائِكَةِ ولَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْيِيزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ ونَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ وإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ.
فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وجَهْدَهُ الجَهِيدَ وكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ كَلَّا مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وأَهْلِ الأَرْضِ لَوَاحِدٌ ومَا بَيْنَ اللهِ وبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى العَالَمِينَ) [١]
إن انحراف إبليس لم يكن بجبر من الله إنما باختياره هو نفسه، ومن الحوار الذي جرى بين الله وبينه يتبيَّن أنه تعالى أراد هدايته فقد أكثر القول له، وهذا أساس في القرآن والرسالات الإلهية الأخرى، لأن الفلسفات الأخرى القديمة والحديثة كلها تعتقد بالجبر، وأن الشر من الله- تعالى عما يصفون- أو من إله معارض له في الرأي، مساو له في القوة، وهذه الثنائية موجودة بصورة أو بأخرى في كل الفلسفات كالفلسفة الشيوعية التي تؤمن بثنائية الحتمية التاريخية، أو
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩١.